مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

2.2 الخلل السياسي في دول الخليج العربية: استقصاء حول آراء المواطنين في الديمقراطية

طباعة PDF
محمود المحمود
 
يحتم علينا مرور خمس سنوات منذ قيام الانتفاضات العربية الوقوف عند المطلب المشترك لدى المتظاهرين من المحيط إلى الخليج، والذي طالما حُرم منها الإنسان العربي (مع استثناءات هنا وهناك)، وهو: المشاركة الفعّالة في صناعة القرار السياسي. ولكن هل لا زال المطلب ملحاً في نظر مواطني دول المجلس، خاصة بعد تعثر الانتفاضات العربية، حتى هذه اللحظة، في تحقيق تطلعات الشعوب العربية؟ أم هل أصبح هذا المطلب ثانوياً إذا ما قورن بالقضايا والتحديات الأخرى التي تواجه دول المجلس؟

بما أن الخلل السياسي هو أحد أوجه الخلل المزمنة التي يركز عليها مركز الخليج لسياسات التنمية، والذي يُعرفه المركز بمحدودية أو انعدام الديمقراطية (أي المشاركة الشعبية الفعّالة في صناعة القرار السياسي)، فقد قررنا الاطلاع على آراء عينة من مواطني دول المجلس في استبيان معمق، في محاولة لالتماس مدى أهمية الديمقراطية والمشاركة في صنع القرار السياسي بالنسبة للمشاركين.
 
منهجية الاستبيان ووصف العينة
لقد تم نشر الاستبيان ما بين مستخدمي الانترنت من مواطني دول المجلس في الفترة ما بين 15 ديسمبر 2015 و3 فبراير 2016،  وقد تم جمع 2540 مشاركة في المجمل، منها 1923 مشاركة مكتملة (تناهز نسبة إكمال الاستبيان 74%)، وتم التعامل مع المشاركات المكتملة فقط. أما بالنسبة لتقسيم العينة حسب الدول، فغالبها ينتمي إلى المملكة العربية السعودية (1393 مشاركة – أي 72% من مجموع المشاركات المكتملة)، في حين أن البقية منقسمة بشكل شبه متساو ما بين البحرين (137) والكويت (128) وسلطنة عمان (128). اما الإمارات العربية المتحدة وقطر، فلم يستقطب الاستبيان مشاركات كثيرة منها (21 و38 بالترتيب)، ولذلك فقد تم التركيز على الدول الأربعة الأولى في تحليل نتائج الاستبيان.[1]
 
النتائج
سنبدأ بالتعرف على ردود إجمالي العينة (أي العينة من جميع دول المجلس الست) على الأسئلة الأساسية لهذا الاستبيان، ومن ثم سنقوم بالتطرق إلى كل شريحة على حِدة للتعرف على ملامح الإجماع والاختلاف ما بين مواطني دول المجلس حيال الديمقراطية. وللتوضيح، علينا أن ننوه بأن الاستبيان قد عرف الديمقراطية في مقدمته كالتالي: "المشاركة الشعبية الفعّالة في صنع القرار السياسي". السؤالين الرئيسيين للاستبيان هما:
 
·         ما رأيك في تطبيق مبدأ الديمقراطية في بلدك؟
·         هل يشارك الشعب في صناعة القرار السياسي في بلدك في الوقت الحالي؟
 
جاء رد إجمالي العينة – أي جميع المشاركين من جميع دول المجلس – على السؤال الأول بالإيجاب بنسبة تفوق 80%، وقالت أقلية صغيرة، وهي 16%، بأنها لا تتفق مع الفكرة. أما بالنسبة للسؤال الثاني، فأجابت 79% من العينة بالنفي – أي أنه لا يوجد مشاركة شعبية فعّالة في صناعة القرار في بلدهم، وذلك مقابل حوالي 18% ممن أجاب بالإيجاب. وسنجد هذه الأنماط تتكرر عند تقسيم العينة حسب الجنسية، ولكن مع تفاصيل مهمة وخاصة بكل حالة.
 

 

 
تقسيم العينة حسب الانتماء القُطري (حسب الدولة)
 
رأي العينة حول الديمقراطية

تكشف نتائج الاستبيان أن التقسيم المبني على الانتماء القُطري هو المحدد الاهم في تحديد الاجابات ومدى اختلافها من حالها لأخرى. لنبدأ برأي العينة حول السؤال التالي: "ما رأيك في تطبيق مبدأ الديمقراطية في بلدك؟" تتفق غالبية كبيرة من العينة في كل من الدول الأربع (أي البحرين والسعودية والكويت وعمان) مع تطبيق مبدأ الديمقراطية في بلدها بنسب تتفاوت ما بين 83% و75%. أما بالنسبة للسؤال الأساسي الآخر –  وهو "هل يشارك الشعب في صناعة القرار السياسي في بلدك في الوقت الحالي؟" –  فتختلف العينة بعض الشيء فيما بينها، حيث أجابت غالبية كبيرة من المشاركين البحرينيين والسعوديين بالنفي، في حين انقسم الكويتيون حول هذه العبارة، حيث أجاب نصفهم بالنفي في حين أجاب النصف الآخر منهم بالإيجاب. أما بالنسبة للمشاركين العمانيين، فهم أيضاً ينقسمون ما بين من أجاب بالنفي والإيجاب بالمناصفة تقريباً.[2] 
 

 
 
أهمية الديمقراطية لدى العينة بالنسبة للقضايا الأخرى:
 
في سؤال آخر، طلبنا من المشاركين تصنيف أهمية القضايا المختلفة التي تواجه مجتمعاتهم، بما فيها قضية الديمقراطية، وبالإضافة إلى المواطنة، والتي عرفناها بالمساواة السياسية الكاملة في الحقوق والواجبات (وهي من المرتكزات الرئيسية للديمقراطية). يهدف هذا السؤال إلى معرفة مدى أهمية هاتين القضيتين الأخيرتين عند مقارنتهما مع القضايا الأخرى، وقد ضمت هذه القضايا الأخرى: 1. نظام المحسوبية (او ما يُسمى بالواسطة)، 2. محدودية المشاركة السياسية، 3. الخلل السكاني –  أي ازدياد اعداد الوافدين، 4. التحديات الاقتصادية (كالبطالة والاعتمادية على النفط)، 5. المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات (المواطنة الكاملة)،  6. الفساد المالي،  7. التوترات ما بين دول في المنطقة، 8. التدخل الغربي في المنطقة.
 
 تكشف لنا النتائج في الرسم البياني 2.5 – التي تدل فيه الأرقام الأصغر على الأهمية الأعلى –  أن الديمقراطية والمواطنة الكاملة هي من أهم القضايا بالنسبة للمشاركين من البحرين والسعودية والكويت.[3] أما المشاركين العمانيين، فنجد أن نظام المحسوبية (الواسطة) والفساد المالي هما القضيتان الأهم بالنسبة لهم، ولكن مع ذلك نجد بأن الديمقراطية هي إحدى القضايا المهمة ايضاً. ويبدو أن المشاركين يتفقون، عموماً، حول أهمية قضية الفساد المالي، حيث قالت غالبية المشاركين من البحرين والسعودية والكويت، أيضاً، بان هذه القضية مهمة، كما ترى تؤمن الشرائح الأربعة بأهمية القضايا الاقتصادية. من ناحية اخرى قالت غالبية  كبيرة من المشاركين من الدول الأربع بأن التدخل الغربي، والتوترات ما بين الدول الإقليمية، والخلل السكاني (عدا المشاركين البحرينيين بالنسبة للقضية الاخيرة)، غير مهمة.
 

 
بإمكاننا الآن الاستنتاج بأن هناك دعم ما بين المشاركين في الاستبيان لمبدأ الديمقراطية، كونها إحدى أهم القضايا بالنسبة للكثير منهم. ولكن هل تمثل الديمقراطية سبيلاً لحل قضايا أخرى، بالنسبة لهم، بما فيها القضايا التي تم طرحها في السؤال السابق؟ بتعبير آخر، هل يربط المشاركين الديمقراطية مع القضايا الأخرى التي تواجه مجتمعاتهم والمنطقة عموماً، أم يعتبرونها قضية منفصلة؟ تشير نتائج هذا السؤال إلى وجود علاقة واضحة ما بين القضايا المطروحة والديمقراطية لدى المشاركين. ولعل من الملفت في الرسوم البيانية التالية هو مدى اتفاق غالبية كبيرة في كل دولة بأن الديمقراطية تمثل مفتاح الحل لقضية الفساد المالي على وجه التحديد، في حين قالت غالبية كبيرة من جميع العينات الأربعة الأمر نفسه حيال نظام المحسوبية (الواسطة). وقالت غالبية كبيرة من المشاركين البحرينيين، على وجه الخصوص، بأن الديمقراطية مفتاح الحل للخلل السكاني، وهي نسبة أعلى بكثير مقارنة بإجابات المشاركين الآخرين.
 
                                                                                                                                            
 
 
 

 
المعوقات لتحقيق الديمقراطية
 
أخيراً، إذا كانت الديمقراطية مرغوبة لدى المشاركين في الدراسة، بل وهامة جداً وتمثل مفتاحاً لحل قضايا عديدة، فما هي العوامل التي تقف أمام تطبيق الديمقراطية، حسب نظرهم؟ تم طرح هذا الجانب على المشاركين عبر سؤالين، وهما:
 
·         من هو المستفيد الأكبر من الوضع السياسي الراهن في بلدك؟[4]
·         إذا كانت الديمقراطية خياراً مطروحاً في بلدك، فأي من الخيارات التالية تمثل عوائقاً أمام الانتقال إليها؟[5]
 
بالنسبة للسؤال الأول، فقد قالت نسبة ضئيلة (ما بين 3% و11%) من المشاركين البحرينيين والسعوديين والكويتيين أن الوضع الراهن يخدم الجميع بشكل متساو، في حين قالت نسبة أكبر بقليل (21%) من المشاركين العمانيين الأمر ذاته. وقالت غالبية كبيرة (ما بين 70% و83%) في جميع الحالات، عدا عمان (48%)، بأن الطبقة الحاكمة هي المستفيد الأكبر من الوضع الراهن، في حين قال نصف المشاركين العمانيين الأمر نفسه. ويبدو أن هناك إجماعاً ما بين المشاركين من الدول الأربعة حول كون الوضع الراهن مفيداً "لفئات معينة من المواطنين" – ما يشير إلى أن فئة كبيرة من المشاركين ترى بأنه يوجد شكل من أشكال التمييز ما بين المواطنين في مجتمعاتهم . أخيراً، قال الثلث تقريباً من المشاركين البحرينيين والكويتيين والعمانيين أن الوضع الراهن يخدم الدول الغربية، في حين قالت نصف العينة في السعودية الأمر نفسه.
 

 
أما بالنسبة للسؤال الثاني، فيحاول التعرف على العوائق أمام الانتقال إلى الديمقراطية بالنسبة للمشاركين. تشير الإجابات إلى وجود حالة شبه إجماع ما بين المشاركين في كل من السعودية والبحرين والكويت على وجود "رفض لفكرة الديمقراطية من قبل الطبقة الحاكمة" (بنسب تتفاوت ما بين 89% و97%) كعائق أمام الانتقال الديمقراطي، في حين قال المشاركين العمانيين الأمر نفسه بنسبة أصغر بقليل (81%). واتفق المشاركين في كل دولة شملتها الدراسة، وبغالبية كبيرة، بأن "رفض الفكرة (الديمقراطية) من قبل رجال الدين" يمثل أحد العوائق ايضاً، ذلك ما عدا المشاركين العمانيين (46%). ويبدو أن المشاركين من الدول الأربع متفقون، بغالبية كبيرة، على كون "استغلال فكرة الديمقراطية من قبل فئة لخدمة مصالحها" أحد العوائق ايضاً، مما يوحي بأن المشاركين يرون بأن هناك فئات في المجتمع تسعى لاستغلال الديمقراطية لأجندات فئوية خاصة. كما قال المشاركين من كل دولة الأمر نفسه حول "تدخل الدول الغربية" و"الشقاق المجتمعي والطائفية" – عدا عمان في الحالة الأخيرة، حيث تنقسم الشريحة العمانية ما بين من يجد في الشقاق المجتمعي والطائفية عائقاً وبين من إختلف مع هذه الفكرة. في المقابل، فقد رفضت غالبية المشاركين في كل دولة مقولة أن "رفض الشعب لفكرة الديمقراطية" يمثل أحد العوائق للانتقال إلى الديمقراطية، مما يتطابق مع آراء العينة في الإجابات السابقة الداعمة لمبدأ الديمقراطية.
 


 
 
 

تقسيمات العينة حسب الهوية والانتماء السياسية

لقد تم جمع معلومات من المشاركين حول عدة جوانب تتعلق بهوياتهم الاجتماعية وتوجهاتهم السياسية، وذلك لمحاولة التعرف على ما إذا كانت هناك عوامل، تتعلق بالتوجه السياسي أو بالهوية، ذات تأثير على النتائج. لذلك، قمنا بطرح عدد من الأسئلة في بداية الاستبيان بهدف التعرف على هوية المشاركين وانتمائهم السياسي، وهي: الانتماء القُطري (كما ذكرنا في الأعلى)، العمر، الجنس، الانتماء السياسي (مثل: إسلامي وقومي ويساري وغيره)، الطائفة، والخلفية الإثنية.

وقبل الدخول في نتائج الاستبيان حسب الشرائح التي تم مناقشتها في الأعلى، علينا أن ننوه بأننا قد طرحنا سؤالاً حول مدى أهمية النواحي المختلفة من الهوية الشخصية بالنسبة للمشاركين، وذلك من باب إفساح مجال للعينة للتعبير، بنفسها وبشكل واع، عن مدى أهمية كل من هذه الجوانب بالنسبة لها. وقد تم طرح الخيارات التالية كإجابات محتملة لهذا السؤال: القومية (كمثال: عربي)، الدين (كمثال: الإسلام)، الطائفة/ المذهب، الطبقة الاقتصادية (كمثال: مقتدر، طبقة وسطى، من ذوي الدخل المحدود)، القبيلة، الدولة (كمثال: كويتي)، الهوية بناء على الخليج (أي: خليجي)، والإثنية. ووجدنا ان الإجابات تكرر ما وجدناه في استبيان آخر قمنا به في اصدار الثابت والمتحول للعام 2014،[7] حيث عبر المشاركين في كل من الدول الأربع بأن الهويتين الإسلامية والعربية هي أهم الهويات بالنسبة لهم.
 




 

ولكن هل تؤثر الجوانب الأخرى من هوية المشاركين على إجاباتهم؟ الاجابة المختصرة، بالنسبة للجنس والفئات العمرية والانتماءات السياسية، هي: لا. بالنسبة للتقسيم الأخير، حاولنا أيضاً مقارنة الايديولوجيات "الإسلامية" مقابل نظيراتها "المدنية" ، إن صح التعبير، ولكننا لم نجد فارقاً واضحاً في الإجابات بما يخص التأييد للديمقراطية أو أي من الأسئلة الأخرى ذات العلاقة التي تم مناقاشتها في الأعلى. بعبارة أخرى، لا يبدو أن الجنس والعمر والانتماء السياسي يلعب أي دور حيوي في تحديد مدى قبول أو رفض العينة لفكرة الديمقراطية، حيث وجدنا أن جميع هذه الشرائح تدعم الفكرة بنسب متقاربة أو مع اختلافات صغيرة جداً وغير مكررة عبر الحالات الأربع، ولذلك فهي لا ترقى لإفراد حيز من النقاش لها هنا.
ولكننا وجدنا اختلافاً واضحاً في حالة واحدة من الانقسام النسبي تتكرر ما بين جميع الشرائح المقسمة على أساس الانتماء السياسي، وهي ردود هذه الشرائح على ما إذا كان يمثل رجال الدين أحد العقبات أمام الانتقال إلى الديمقراطية. كما يبيّن الرسم البياني 2.20، نجد بأن جميع الشرائح المدنية تتفق على أن رجال الدين يمثلون عقبة أمام الانتقال إلى الديمقراطية، في حين أننا نجد الإجابة نفسها، وإن كانت بنسب أقل نسبياً، ما بين الإسلاميين أيضاً، باستثناء المشاركين الإسلاميين البحرينيين والعمانيين.
 


أما بالنسبة للتقسيمات على أساس الانتماء المذهبي، بالإضافة إلى التقسيم الاثني في حالة الكويت (ما بين "الحضريين" و"القبليين")، فنجد أنها أيضاً لا تؤثر على مدى دعم شرائح الدراسة لتطبيق الديمقراطية في دولهم.[8] ولكننا وجدنا اختلافات طفيفة نسبياً في إجابات بعض الشرائح عند وصفها الواقع السياسي الحالي في بلدانهم. فعلى سبيل المثال، نجد تفاوتاً واضحاً ما بين نسبة المشاركين البحرينيين (وبدرجة أقل، المشاركين الكويتيين) المنتمين للطائفة السنية الذين قالوا أنه توجد مشاركة شعبية في صنع القرار السياسي، وما بين ما قاله نظراؤهم المنتمين للطائفة الشيعية حيال السؤال نفسه. ولكن من جانب آخر نجد بأن الانتماء المذهبي لا يؤثر على إجابات المشاركين من الدول الأخرى، مما قد يدل على أنه ليس الانتماء الطائفي بنفسه الذي يحدد الإجابة، بل ما يؤثر على الجواب هو العلاقة ما بين الطوائف ودرجة التسييس للطائفة أو الأثنية في كل دولة على حدة.[9]  كما نجد النمط نفسه في حالة المشاركين الكويتيين، ما بين الذين عرفوا أنفسهم كحضريين وقبليين، ففي حين نجد إجاباتهم متقاربة حيال مسألة دعم تطبيق الديمقراطية في بلدهم، إلا أن هناك ثمة اختلاف ما بين الفئتين حول وصف الواقع السياسي، حيث قالت نسبة أكبر من المشاركين الكويتيين الذين عرفوا أنفسهم بأنهم حضريين أن هناك حالياً مشاركة شعبية في صنع القرار، في مقابل نسبة أقل لدى المشاركين الكويتيين الذين عرفوا أنفسهم بأنهم قبليين. 
 

 
خاتمة

يشير هذا الاستبيان الى وجود دعم كبير للديمقراطية بين المشاركين من دول مجلس التعاون المختلفة، وهو مماثل لما وجدته استطلاعات رأي اخرى التي خلصت لذات الاستنتاج.[10] كما وجد هذا الاستبيان أن الديمقراطية، بالإضافة الى المواطنة الكاملة، أي المساواة السياسية ما بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، تقع في أعلى سلم أولويات المشاركين حينما قورنت بالعديد من القضايا ذات أثر على حياتهم. وجد الاستبيان أيضاً أن المشاركين واعين بمحدودية أو انعدام وجود الديمقراطية في دولهم في فترة إجراء الاستبيان (وقد عرفنا الديمقراطية بالمشاركة الشعبية الفعّالة في صنع القرار السياسي). كما أن هناك ثمة شعور بالحاجة إليها، حيث ربط المشاركين العديد من القضايا، كالفساد المالي وقضية المحسوبية، أو ما يُسمى بالواسطة، بالنقص الديمقراطي التي تعاني منه مجتمعاتهم. بالإضافة إلى ذلك، فقد وجد الاستبيان بأن المشاركين يرون بأن الواقع السياسي لا يخدم مصلحة الجميع بشكل متساو، بل يخدم مصالح فئات معينة من المجتمع، وهنالك عدة عقبات أمام التغيير السياسي في اتجاه الديمقراطية حسب رأي المشاركين. كما أشار الاستبيان إلى حالة من الارتياب حيال استغلال الديمقراطية من قبل فئة ما في المجتمع لخدمة مصالحها الخاصة في معظم النتائج.

كما نستنتج أن الاختلاف في النتائج حسب التقسيم القُطري (أي حسب الدول) والشرائح الأخرى اختلاف نسبي وليس نوعي. ولكن هذا لا يلغي وجود اختلافات في وجهات النظر، كما أن هذه الاختلافات غالباً ما تجد لها صدى في الحياة السياسية في بعض دول المجلس، حيث توجد هواجس حول الدفع في اتجاه الديمقراطية في ظل وجود حالة ما أسميناه "الشقاق المجتمعي"، كونها حالة تستنزف من المجتمع ثقته بنفسه وبجميع مكوناته التي لا تتجزأ منه. ولكن لعل الخلاصة من هذه الدراسة هي أنه بالرغم من صعوبة تحقيق انتقال إلى الديمقراطية في دول المجلس في الواقع السياسي الراهن، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود رغبة واسعة لتحقيقه، بل أن غالبية المشاركين أبدت بلا ريبة، وبغض النظر عن الاختلافات في الهوية والانتماء السياسي، دعمها القوي لتطبيق مبدأ الديمقراطية في دول مجلس التعاون.
 
 
ملحق: تفاصيل منهجية الدراسة

لقد تم إجراء الاستبيان عبر الانترنت في فترة ما بين 15 ديسمبر 2015 و3 فبراير 2016، وقد تم نشر الاستبيان عبر مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر). يعود خيار استعانتنا بالأنترنت إلى ثلاثة عوامل، أولها سهولة وسرعة وقلة تكلفة الوصول إلى العينة المطلوبة. أما العامل الثاني، فهو صعوبة إجراء الاستبيان عبر الهاتف أو عبر المقابلة الشخصية من ناحية لوجستية، إذ يتطلب جهد كهذا معلومات معمقة حول سكان دول المجلس بكل تقسيماتهم المناطقية والجندرية والإثنية والمذهبية، وغيرها من البيانات الشخصية. وبعض هذه المعلومات غير موجودة بشكل موّثق عبر الزمن. من ناحية أخرى، قد تكون مهمة جمع عينة علمية (عبر الهاتف او المقابلة الشخصية) صعبة بسبب العقبات البيروقراطية أو الإجرائية التي قد تعرقل بحثاً كهذا، خصوصاً وأن موضوع الاستبيان يركز على الشأن السياسي في دول لا تسمح أغلبها بالممارسة السياسية ما بين مواطنيها. ويرجع العامل الثالث لاستعانتنا بالإنترنت نظراً لانتشارها بشكل موسع ما بين مواطني دول المجلس (انظر الجدول 2.1).
 
 تقسيمات عينة الدراسة

فيما يتعلق بتقسيمات عينة الدراسة، فبالإضافة إلى التقسيمات التي تم نقاشها في الأعلى، وهي التقسيمات حسب الإنتماء القُطري والسياسي والمذهبي، فقمنا بجمع معلومات أخرى تتعلق بهوية المشاركين، كالعمر والجنس. بالنسبة للفئات العمرية، فوجدنا بأن الفئتين العمريتين الأصغر سناً، أي فئة ما بين 18-30 عاماً (55% من العينة) و31- 45 عاماً (35%)، قد أخذتا نصيب الأسد في العينة في الدول الأربع، في حين أن الفئتين الأخريتين، وهي فئة 46-60 (8%) و60 فما فوق (2%)، فهي تمثل الحصة الأصغر من العينة.، ما يعني مقاربة هذه النسب للأرقام الحقيقية لمجتمعات دول المجلس، كونها مجتمعات فتيّة. اما بالنسبة للجنس، فمن الملاحظ بأن نسبة المشاركين الذكور مرتفعة مقابل نسبة الإناث بنسبة 80% للأول و20% للأخير في جميع الدول تقريباً (في حين أن النسب الحقيقية لمواطني هذه الدول هي 50% لكلا الجنسين). وقد تم محاولة البحث عن مدى تأثير العمر او الجنس على إجابات العينة للأسئلة المطروحة، الا اننا لم نجد علاقة إحصائية ما بين هذه الهويات وإجابات المشاركين، وذلك بخلاف الجوانب الأخرى للمشاركين التي تم تبيانها في الدراسة.


 

[1] للمزيد من التفاصيل حول منهجية الدراسة، انظر المرفق في نهاية الورقة.
[2]  لاحظ أنه قد تم جمع نسبة من اجاب بـ"أتفق" و بعبارة "أتفق لحد ما" للسؤال الأساس الثاني معاً في الرسم البياني، وأن الغالبية الساحقة ممن اُدرج تحت إجابة "أتفق" في الرسم البياني قد أجابت بعبارة "أتفق لحد ما" في الحالتين الكويتية والعمانية.
[3]  الأرقام الموجودة في هذا الرسم البياني تدل على متوسط الأرقام التي ادلى بها اجمالي شريحة ما من العينة، وذلك بعدما قام المشاركين بترتيب القضايا المطروحة في السؤال من الاهم إلى القضية الأقل أهمية. بالتالي، فتدل الارقام الأصغر على الأهمية الأعلى – والعكس بالعكس.
[4] لاحظ بأنه كان بإمكان المشاركين الإدلاء بأكثر من إجابة لهذا السؤال، وهذا ما يفسر كون مجموع الإجابات يتعدى نسبة 100%.
[5] تم الحاق ملاحظة لهذا السؤال، وهي: "الخيارات هي عبارة عن افتراضات، وبذلك لا تعبر عن وجهة نظر المركز."
[6] ملاحظة: الخيارات المطروحة في الرسوم البيانية 2.11 و2.12 و2.13 و2.14 هي عبارة عن افتراضات، و بذلك لا تعبر عن وجهة نظر المركز. لاحظ ان العبارة الأخيرة قد ظهرت للمشاركين في الاستبيان أيضاً.
[7] محمود المحمود، " الشقاق المجتمعي في دول مجلس التعاون: الطائفية نموذجًا"، في عمر الشهابي ومحمود المحمود ونورة الحسن (محررون)، الثابت والمتحول 2014،2014: ،33.http://www.gulfpolicies.com/attachments/article/1752/GCCS%202014%20digital%20final%20single%20page.pdf
[8]  ملاحظة: تم إستخدام تقسيم حضري/ قبلي في الحالة الكويتية فقط وذلك بسبب بروز هذا التقسيم في الساحة السياسية الكويتية بشكل خاص.
[9] ليس بإمكاننا مقارنة حالات السعودية والبحرين والكويت مع الحالة العمانية بسبب شح عدد المشاركين العمانيين الذين قالوا بأنهم ينتمون الى الطائفة الشيعية.
[10] على سبيل المثال، أنظر: "المركز العربيّ يعلن نتائج استطلاع المؤشّر العربيّ"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 21 ديسمبر 2015
http://www.dohainstitute.org/content/727ce38a-9c8c-4de2-9c51-45c44bcc0a88