مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.2 إيرادات النفط في دول مجلس التعاون وأوجه إنفاقها - عمر الشهابي

طباعة PDF
عمر هشام الشهابي
 
تحاول هذه الوقة الإجابة على الأسئلة التالية:
1.      كم تبلغ قيمة إيرادات النفط التي جنتها دول الخليج منذ بداية تصديره إلى يومنا هذا؟
2.      ما هي أوجه إنفاق وتوظيف الإيرادات النفطية المحصلة في دول الخليج منذ بداية تصدير النفط إلى يومنا هذا؟
3.      ما هي التبعات المترتبة على أوجه الإنفاق على النظام الاقتصادي-الاجتماعي في دول الخليج؟
4.      هل يعتبر نمط الإنفاق هذا والنظام الاقتصادي-الاجتماعي الناجم عنه مستداماً، أم هل يعاني من خلل؟
 
وفي رأينا، فإن محور تركيز أي رؤية أو برنامج إصلاح اقتصادي لدول مجلس التعاون يجب أن يتضمن الإجابة على هذه الأسئلة الأربعة، إذ أن إيرادات النفط وإنفاقها تعتبر العصب الرئيسي لاقتصاديات دول مجلس التعاون. ولهذا، تشكل هذه الأسئلة الأربعة محور حديثنا في هذه الورقة.
 
بدأت إيرادات النفط بالتدفق على دول الخليج منذ النصف الأول من القرن العشرين، ووصلت إلى مستويات خيالية مع الطفرة النفطية في سبعينات القرن الماضي. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت القضية الاقتصادية الرئيسية التي تواجه دول الخليج هي: كيف توظف دول الخليج هذه الإيرادات الهائلة المحصلة من الخارج، التي أتت في شكل عملة أجنبية، وأعطت صاحبها أحقية المطالبة بمنتجات تساوي قيمتها من بقية دول العالم؟ تعتبر هذه المشكلة فريدة على مستوى الدول النامية، حيث عادة ما تكون المشكلة هي شح رأس المال والموارد. أما في دول الخليج، فتتمحور المشكلة حول كيفية التعامل مع الوفرة المفرطة.
 
وحتى نأخذ فكرة عن حجم هذه الإيرادات وعدم تناسقها مع قوى المجتمع الإنتاجية، فلنا أن نقارن حجم الاقتصاد قبل النفط وبعده. ولنأخذ اقتصاد ساحل الخليج قبل النفط للمقارنة، وهو الذي كان يعتمد على صناعة صيد اللؤلؤ بشكل شبه كلي، حيث عملت الغالبية الساحقة من المجتمع في تلك الصناعة، نظراً لكونها صناعة تعتمد على كثافة عالية من قوة العمل (labour intensive)، وتعتبر أساس ما ينتجه مجتمع الخليج ومصدر دخله من الخارج. وشكلت السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى الفترة الأكثر ازدهاراً لصناعة الغوص، حيث وصل متوسط الدخل السنوي من اللؤلؤ لساحل الخليج في الفترة 1911-1914 إلى حوالي 2 مليون جنيه. لكنها كانت سنوات استثنائية، إذ ما لبثت إيرادات ساحل الخليج من الغوص أن هبطت إلى ما دون 500 ألف جنية في نهاية عشرينات القرن الماضي، نظراً للكساد العالمي (great depression) وتطور صناعة اللؤلؤ المصنّع في اليابان، ولم تتعاف من بعدها صناعة اللؤلؤ في الخليج.
 
في المقابل، إذا نظرنا إلى الكويت فقط، فقد بلغ دخلها من النفط 3.2 مليون جنيه في عام 1948، وما لبث أن ارتفع إلى 60 مليون جنيه في عام 1953، وإلى أكثر من 100 مليون جنيه في عام 1955. إذن، وفي غضون بضع سنين، كانت قيمة إنتاج دولة الكويت فقط من النفط تضاهي خمسين ضعف القيمة القصوى لمجمل انتاج اللؤلؤ في الخليج ككل في عصر ما قبل النفط. وما لبثت بقية دول الخليج حتى وصلت إلى مستويات مقاربة من الدخل النفطي العالي، وإن كانت بدرجات متفاوتة حسب كمية النفط المنتجة في كل منها. وتبقى الخاصية التي ميزت كل تلك الدول متمثلة في تحصيلها لكميات هائلة من النقد من بيع النفط، تعدّت عدة مرات قيمة ما كان ينتجه المجتمع سابقاً.
 
وهكذا ظهر في هذه الفترة ما سمي بـ "مشكلة الامتصاص" (absorption problem)، المتمثلة في التالي: كيف كان لدول الخليج أن تتعامل مع هذه الإيرادات الهائلة داخل اقتصادها، حيث تعدت قيمة النفط المصدر قيمة ما تنتجه قوى المجتمع في عصر ما قبل النفط بأضعاف عديدة؟ وكيف كان للاقتصاد المحلي أن يمتص كل تلك الأموال القادمة من الخارج وصرفها داخلياً؟ وظهرت المشكلة بشكل جلي لأول مرة في الكويت في خمسينات القرن الماضي،[1] حيث كانت الكويت أول دولة خليجية تصل فيها نسبة إيرادات النفط في مقابل حجم الاقتصاد المحلي إلى مستويات فلكية. وبإمكاننا تسمية هذه الفترة الممتدة من اكتشاف النفط حتى نهاية ستينات القرن الماضي بفترة الطفرة النفطية الأولى في الخليج. وبحلول الطفرة النفطية الثانية في أوائل السبعينات، تبلورت هذه المشكلة بشكل واضح في كل دول الخليج.
 
وكانت وجهة النظر السائدة حتى سبعينات القرن الماضي هو استحالة امتصاص تلك الكمية من الإيرادات والقدرة الشرائية من الخارج على دول الخليج. ولكن دول الخليج أبت إلا أن تثبت عكس ذلك، وأن بإمكانها أن تكوّن وتبني اقتصاديات محلية كفيلة بامتصاص تلك الإيرادات وتدويرها داخلياً، بل وتضخيم اقتصاداتها الداخلية إلى مستويات تتعدى متطلباتها ما هو متوفر من إيرادات النفط. وسينصب تركيزنا في هذا القسم على تبيان كيفية صرف دول الخليج لإيرادات النفط وتبعات ذلك الصرف الاقتصادية والاجتماعية.[2]
 
أولاً - بكم تقدر قيمة إيرادات النفط التي تدفقت على دول الخليج منذ اول برميل تم تصديره؟
 
في بداية سعينا، حري بنا أن نسأل: كم تبلغ قيمة إيرادات النفط التي تدفقت على دول الخليج منذ بداية تصدير النفط حتى يومنا هذا؟ بالطبع هذا سؤال صعب، خصوصاً بالنظر إلى تحفظ دول الخليج (باستثناء الكويت) على الإعلان عن إيراداتها النفطية بشكل شفاف ومستقل، ومشكلة ضبابية وعدم شفافية البيانات المالية في دول الخليج هو موضوع سنركز عليه بشكل كبير في هذه الدراسة. لذلك، فمن المهم منذ البداية أن نؤكد على أهمية الشك في أي إحصائيات رسمية تقدمها دول الخليج، وألّا نفترض دقة تلك الأرقام كلياً. لكن تمحيص تلك الأرقام لا يزال مفيداً، حتى تتبين لنا على الأقل ملامح نظرة عامة، وإن كانت غير دقيقة كلياً، حول أهم إحصائيات إيرادات النفط في الخليج.  
 
وإذا ما جمعنا المعلومات المتوفرة حول إيرادات دول الخليج النفطية بدءاً من تصدير أول برميل في عام 1932 الى نهاية عام 2015 (آخر سنة تتوفر لها الاحصائيات حتى تاريخ كتابة السطور)، يتبين أن دول الخليج حصلت على إيرادات نفطية لا تقل عن 6.63 تريليون دولار أمريكي على أقل تقدير حسب الأسعار الجارية. وإذا احتسبنا كل الإيرادات بالأسعار الثابتة لعام 2015، يصل إجمالي تلك الإيرادات إلى 9.60 تريليون دولار أمريكي.
 
وإذا ما أردنا تطبيق عائد سنوي بما يعادل 3%، فإن الرقم السالف يصل إلى 9.87 تريليون دولار بالأسعار الجارية، وإلى 17.65 تريليون دولار إذا احتسبنا أسعار عام 2015 الثابتة.[3] وعلى سبيل المقارنة، فقد بلغ إجمالي حجم الناتج المحلي السنوي لعام 2015 في المملكة المتحدة 2.9 تريليون دولار سنوياً، وفي اليابان 4 تريليون دولار سنوياً، وفي الصين 11 تريليون دولار سنوياً، وفي الولايات المتحدة 18 تريليون دولار سنوياً.
 
وتعتبر هذه الأرقام لإيرادات الخليج النفطية متحفظة جداً، وهي بالتأكيد أقل من الإيرادات الفعلية بنسبة قد تصل إلى الربع أو الثلث أو أكثر، إذ تعتمد هذه الأرقام أساساً على الإيرادات الرسمية المعلنة،[4] التي تقدّر في أغلب الأحوال بأقل من حجمها الفعلي، حيث لا تشمل عادةً الاقتطاعات لمخصصات العائلة الحاكمة أو لمصروفات الدولة المباشرة خارجياً (كالهبات والدعم المالي السياسي)، وهي نفقات يرجح وصولها إلى ما بين الربع إلى الثلث من إيرادات النفط كما سنرى.
 
رسم بياني رقم 3.2.1 – الإيرادات النفطية في دول مجلس التعاون منذ عام 1932 بالأسعار الجارية

رسم بياني رقم 3.2.2 – الإيرادات النفطية في دول مجلس التعاون منذ عام 1932 بالأسعار الثابتة
 
 
بالطبع، اختلف توزيع هذه الإيرادات من دولة إلى أخرى، فحصلت السعودية على حوالي 55% منها بقيمة 5.32 تريليون دولار (حسب الأسعار الثابتة لعام 2015)، والكويت على 17% بقيمة 1.67 تريليون دولار، والإمارات على 16% بقيمة 1.50 تريليون دولار، وقطر على 6% بقيمة 565 مليار دولار، وعمان على 5% بقيمة 436 مليار دولار، والبحرين على 1% بقيمة 122 بليون دولار.
 
وكما هو معروف، فقد شكلت هذه الإيرادات النفطية النصيب الأعظم من الإيرادات العامة في دول الخليج منذ بداية تصدير النفط، إذ تخطت نسبتها 90% من إيرادات الدولة بشكل دوري، وأصبحت إيرادات الدولة فعلياً هي إيرادات النفط فحسب. وفيما يتبقى من الورقة، سنتعامل مع الإيرادات العامة والإيرادات النفطية على أنها تدل على الشيء ذاته.
  
ثانيا - اوجه إنفاق إيرادات النفط: خارطة أولية
 
والسؤال الذي نطرحه الآن هو: ما الذي حصل لهذه الإيرادات، أي كيف كانت طريقة توظيفها وإنفاقها؟ وإن كان الحصول على أرقام الإيرادات أمراً صعباً ويشوبه الكثير من الضبابية، فإن الحال مع المصروفات أصعب وأكثر ضبابية بأضعاف. فغالبية دول الخليج لا تحتفظ بميزانية شفافة ومدققة من قبل جهة مستقلة، ومما لا شك فيه أن الأرقام المعلنة رسمياً لا تبين جميع أوجه الصرف، حيث تبقى الكثير منها سرية أو مفتقرة إلى التفصيل كما سنبين بعد قليل.
 
لكن حري بِنَا أن نحاول البحث قدر المستطاع في كيفية توظيف هذه الإيرادات وأوجه صرفها. وقد تكون أفضل بداية لتحليل المصروفات هي التطرق إليها من منظور أربعة أسئلة:
1.      ما هي أوجه الصرف في ميزانيات دول الخليج؟ أي ما هي الأغراض التي يوجه إليها الصرف؟ وهنا قد تكون القسمة الأهم ماثلة بين المصروفات الجارية في مقابل المصروفات الرأسمالية.
2.      ما هي الأطراف المستفيدة من أوجه الصرف؟ وهنا، قد تكون القسمة الأهم هي بين الصرف الذي تستفيد منه الجهات ذات الملكية العامة، كالشركات والمؤسسات المملوكة من قبل الدولة، في مقابل الجهات الخاصة. فالنفط كما رأينا يبدأ كملك عام للدولة. فهل تبقى مؤسسات الدولة هي من تستلم وتستفيد من إيراداته؟ أم أن هذه الخلطة عرضة للتغيير، بحيث تستفيد من عوائد النفط أطراف خاصة، وتتحول العوائد بذلك من ملك عام إلى ملك خاص؟
3.      أين يتم هذا الصرف؟ وبمعنى آخر، ما هو المكان أو المساحة التي يتوجه إليها هذا الصرف؟ وهنا تكمن القسمة الأهم ما بين الاقتصاد المحلي والاقتصاد العالمي كوجهة لصرف عائدات النفط.
4.      كم من الأموال يتم صرفها؟ وهنا نسأل عن كمية الأموال الموجهة نحو كل من الأغراض والأطراف سالفة الذكر.
5.      متى يتم هذا الصرف؟ فهل تُصرَف هذه الأموال حال جنيها، أم هل تُصرف تدريجياً على المدى الطويل؟
 
إذن، تتبلور لدينا ثلاث محاور رئيسية سننظر إليها عند تحليل كيفية صرف إيرادات النفط، وهي: (1) القسمة بين المصروفات لأطراف خاصة في مقابل المنفعة العامة، و(2) القسمة بين المصروفات كرأسمال والمصروفات الجارية كاستهلاك، وأخيراً (3) القسمة بين توجيه المصروفات إلى داخل الاقتصاد في مقابل توجيهها نحو الاقتصاد العالمي. كما يجب النظر إلى (4) نصيب كل محور من تلك المصروفات، (5) بالإضافة إلى توقيتها.
 
وفيما يلي سنتعمق أكثر في محاولة تفصيل هذه الزوايا وأهميتها. وسنبدأ بتحليل المصروفات من وجهة نظر الأسئلة الثلاثة الأولى: ما هي أوجه الصرف، وما هي الأطراف المستفيدة منه، وأين يتم توجيه هذا الصرف، وسنبدأ بالنقطة الأخيرة.
  
أ. مصروفات الدولة خارج نطاق سيادتها:
 
 ونعني هنا توظيف الدولة للأموال مباشرة خارج أراضيها، دون أن تتفاعل مع الاقتصادي المحلي. ومن ناحية أوجه الصرف، لنا أن نقسم المصروفات الخارجية كالتالي:
1.      استثمارات خارجية مباشرة: وهذه عادة ما تأخذ شكل احتياطي من العملات الأجنبية أو استثمارات طويلة المدى، كالاستثمارات في الصناديق السيادية، بما فيها الاستثمارات المباشرة في شركات عالمية أو صكوك أو أسهم.
2.      تحويلات مباشرة إلى أطراف خارجية: وهذه عادة ما تكون في شكل تبرعات أو دعم سياسي إلى دول خارجية.
3.      شراء سلع من الخارج من قبل الدولة مباشرة: وتتمثل هذه أساساً في شكل صفقات الأسلحة. فعموماً، لم تكن دول الخليج تشتري السلع كالغذاء والسيارات وغيرها مباشرة من دول أخرى، بل كانت أطراف "القطاع الخاص" هي القائمة على استيراد السلع ومن ثم بيعها في السوق المحلية، بحيث يتوفر شراءها لأطراف الاقتصاد المختلفة، بما في ذلك الدولة. ولكن في حالة الأسلحة، فكانت دول الخليج تشتريها مباشرة من "العالم الخارجي".
 
وهذه الإيرادات النفطية التي يتم صرفها مباشرة في الخارج، لا تدخل في الاقتصاد المحلي، ولا تؤثر عليه إلا بصيغة محدودة جداً. وطبعاً، تختلف تلك المصروفات فيما بينها من ناحية طبيعة وظيفتها. ففي حالة الاستثمارات الخارجية المباشرة من قبل الدولة، فإن النقد المستثمر يتخذ شكل رأس المال، الذي يفترض استثماره في الإنتاج بهدف التكاثر وأن ينمو على مر الزمن، جرياً على طبيعة رأس المال. في المقابل، فالتحويلات المتمثلة في الهبات، لاعتبارات سياسية أو اجتماعية معينة، تشكل قوة شرائية تحوِّلها الدولة إلى تلك الأطراف الخارجية، بحيث لا تعود قوة شرائية في يد الدولة التي تبرعت بالمبلغ. أما النقد الذي يُدفع لشراء السلع مباشرة، كالأسلحة، فيعتبر بمثابة قيمة التبادل لاقتناء تلك السلع (إذا ما تغاضينا عن الفساد والاختلاسات التي تشهدها تلك العمليات). ففي هذه الحالة، تحصل الدولة على سلعة في المقابل، وأما مدى حاجة أو استفادة الدولة من تلك السلع فهو أمر مفتوح للنقاش.
 
وفي دول الخليج، يبقى حجم وقيمة هذه المصروفات مجهولاً بشكل عام، ويظل الوصول إلى تفاصيلها متعذراً، إذ لا تظهر تلك التفاصيل في الميزانيات المعلنة أصلاً في الأغلب، لكن سيكون لنا عودة لها فيما بعد في محاولة لوضع تصور تقريبي عن أحجامها.
 
ب - أوجه الإنفاق المحلية: 
 
لنوجه تركيزنا الآن إلى أوجه الإنفاق المحلية، فما هي التجليات التي أخذتها مصروفات الدولة داخل حدودها؟
 
المصروفات الرأسمالية
 
لنا نقسم المصروفات المحلية إلى قسمين: المصروفات الرأسمالية والمصروفات الجارية. وإذا ما بدأنا بأوجه الإنفاق الرأسمالي، فإننا نستعمل مصطلح "رأسمالي" بدلالة بالغة التحديد، لا تنطبق إلا على الأموال التي تصرف بهدف التكاثر والتراكم، أي تلك الموجهة نحو الاستثمار وجني العائد على الاستثمار. ولنا أن نقسم المصروفات الرأسمالية من قبل الدولة كالتالي:
 
1.      النقد المستثمر مباشرة كرؤوس أموال – وهي التي تتخذ شكل شركات أو مشاريع عامة، إما بملكية حكومية بالكامل، وإما باستثمار فيما يسمى بالقطاع المختلط (شركات بتمويل مشترك حكومي وخاص). وبالإضافة إلى شركات النفط، يشمل هذا القطاع الكثير من البنوك، وشركات البتروكيماويات، والطيران، والقطاع اللوجستي، إلخ، في جميع دول مجلس التعاون.
2.      صفقات وعقود بناء وتنفيذ المشاريع الحكومية – وهي التي تتخذ طابع العائد الرأسمالي على المجتمع عموماً، والتي قد لا يذهب عائدها إلى الدولة مباشرة. وهنا نعني بالذات مشاريع البنية التحتية من ملك الدولة، كالشوارع والجسور، الخ. وهذه المشاريع، على الرغم من عودتها بالإيرادات على حكومات عديدة حول العالم، ألا أن دول الخليج تتولى تشييدها عموماً دون أي مقابل مادي، في مقابل استفادة باقي أطراف المجتمع منها كخدمة مقدمة من الدولة. وهنا يجب التنويه بمشكلة أساسية تبرز في تقييم مشاريع البنية التحتية هذه، وهي: كيف لنا أن نقيم العائد والجدوى الاستثمارية من هذه المشاريع في ظل غياب العائد المادي المباشر منها إلى الدولة؟ وتزداد هذه المشكلة حدة بالنظر إلى اعتياد دول الخليج على الشروع في مشاريع بنية تحتية ذات قيمة مجتمعية او مالية مضافة متدنية، بل يتم الشروع فيها اساساً لاعتبارات سياسية أو كصفقات تجارية.
3.      بعض الميزانيات أيضاً تصنف المشاريع الإسكانية التي تبنيها الدولة ومن ثم توزع وحداتها على المواطنين كنوع آخر من المصروفات الرأسمالية، وعادة ما يتم تصنيف هذه المشاريع كمشاريع رأسمالية في ميزانيات دول الخليج. ولكن يجب التنويه هنا بأن هذه المشاريع قد لا تعتبر مشاريع رأسمالية حسب تعريفنا لها، الذي يقتصر على الاستثمارات بهدف تكاثر رأس المال والحصول على عائد مادي، إذ تقوم الدولة في الغالب ببناء هذه الوحدات السكنية ومن ثم توزيعها على المواطنين كملك خاص بدلاً من إبقائها ملكاً عاماً للدولة، وبهذا فإن الدولة لا تحصل على أي عائد مادي في مقابلها، بل تأخذ تلك المشاريع شكل الخدمة الاجتماعية التي توفرها الدولة كجزء من دولة الرفاه للمواطن. أضف على ذلك أن المواطنين المستفيدين من وحدات الإسكان يستعملون هذه الوحدات أساساً للسكن والاستهلاك الشخصي بدل أن يتم تسخيرها للأنشطة التجارية والرأسمالية، وبهذا فإن هذه الوحدات لا تأخذ طابع رأس المال حتى للمواطنين. وعلى الرغم من هذا التنويه، فإنه عادة ما يتم احتساب هذا النوع من الصرف على المشاريع الإسكانية ضمن أوجه الصرف الرأسمالي للدولة.
 
المصروفات الجارية

وهي المصروفات ذات الطابع الاستهلاكي والمتكرر بشكل دوري، على عكس المصروفات الرأسمالية ذات الطابع الاستثماري. وبإمكاننا أن نقسم هذه المصروفات كالتالي:
 
التحويلات
 
 وهي المبالغ المحولة من قبل الدولة مباشرة لأطراف معينة نظراً لخاصية ما تؤهلهم للحصول على تلك المبالغ من وجهة نظر الدولة. وكمثال، قد يستحق فرد ما الحصول على مبلغ معين بناء على العمر أو العائلة أو الحالة الاجتماعية، ويمكن تقسيم هذه التحويلات إلى:
 
4.      مخصصات العائلة الحاكمة – نقصد هنا المخصصات من إيرادات النفط التي تذهب مباشرة إلى الحاكم أو العائلة الحاكمة. وهذه المخصصات عموماً، كما هو الحال مع مصروفات الدولة الخارجية، غير معروفة وغير منشورة للعلن، وسنحاول فيما بعد أن نسرد بعض ملامحها من المعلومات المتوفرة.
5.      تحويلات مباشرة للمواطنين – تعتمد هذه التحويلات عادة على الحالة الاجتماعية للمواطن، كمثال: إن كان المواطن متزوجاً أو معيلاً للأطفال أو من ذوي الدخل المحدود، إلخ.  وعادة ما تأخذ هذه التحويلات شكل توزيعات نقديه، كمخصصات دعم الغلاء أو مخصص التموين أو دعم الأسرة، إلخ.[5]
6.      تحويلات الدولة لهيئات مختلفة – تدرج ميزانيات دول الخليج ضمن طياتها تحويلات لعدة هيئات مستقلة عن وزارات الدولة من ناحية التنظيم (كمثال: هيئة تنظيم التعليم العالي، أو هيئة تنظيم سوق العمل، إلخ)، وقد كثرت هذه الهيئات في الفترة الأخيرة بصفتها إحدى سبل المحاصصة السياسية ضمن أجنحة الحكم، وكمحاولة لتخطي التعطل والجمود المنتشر في بيروقراطيات بعض الوزارات، بالإضافة إلى استعمالها كذريعة لتفادي المساءلة حول مصروفات الهيئات المختلفة، نظراً لانخفاض الشفافية في البيانات المالية لهذه الهيئات.
7.      الدعم الموجه للسلع – وهو دعم موجه في الأساس للكهرباء، والماء، والبنزين، والغذاء، يستفيد منه كل المستخدمين، مواطنين كانوا أم أجانب أم شركات أم وزارات وجهات حكومية. ويتزايد هذا النوع من الدعم مع تزايد كمية الاستهلاك لهذه السلع ومع زيادة عدد سكان الدولة المستفيدين منه.[6]
8.      مدفوعات القروض المستحقة على الدولة – وتشمل هذه أي ديون عامة يجب على الدولة تسديدها، أكانت محلية أم أجنبية.
 
مصروفات الدولة على قوة العمل والسلع والخدمات
وهي مصروفات الدولة الجارية نظير خدمات أو سلع معينة تحصل عليها الدولة كمقابل (من الناحية النظرية على الأقل):
 
9.      رواتب موظفي أجهزة الدولة وبدلاتهم – وتصرف هذه الرواتب والبدلات، نظرياً على الأقل، نظير تقديم عمل قام به الموظفون، أي أنها أجر يحتسب نظير تأجير قوة العمل من قبل الدولة. ولكن هنا يجب التنويه أن رواتب أجهزة الدولة في الخليج لا تأخذ فقط شكل المقابل نظير خدمة العمل التي يوفرها الموظف، بل تستعمل الدولة الرواتب والتوظيف الحكومي أيضاً كآلية لتوزيع جزء من إيرادات النفط للمواطنين، ما يعني وجوب النظر إلى هذه الرواتب في كثير من الأحيان بصفتها تحويلات، لا مجرد مقابل لتوفير قوة العمل. وكما سنرى، تشكل الرواتب البند الأكبر في ميزانيات دول المجلس التعاون.
10.   النقد الموجه من الدولة لشراء السلع والخدمات من "القطاع الخاص" – ولنا أن نقسم السلع والخدمات التي تشتريها الدولة إلى عدة أنواع:
أ. شراء الأراضي – وقد كانت هذه إحدى آليات إعادة توزيع إيرادات النفط، إما لعموم المواطنين عن طريق تثمين وشراء أراضيهم، وإما لكبار المتنفذين الذين سجلوا أراض شاسعة كملك خاص باسمهم، وهو الغالب، ومن ثم وجب على الدولة شراء الأراضي منهم بأسعار عالية. وقد اشتهرت الكويت خاصة بهذه الظاهرة في خمسينات وستينات القرن الماضي.
ب. مصروفات شراء السلع والخدمات الاستهلاكية من قبل الدولة – وتشمل هذه حاجات الدولة من سيارات وقرطاسية وغيرها من مستلزمات عملية، التي يوفرها القطاع الخاص للدولة أيضاً.
 
ثالثاً - اوجه إنفاق إيرادات النفط على أرض الواقع
 
بعد هذا التأطير السريع والمبسط لأوجه إنفاق إيرادات الدولة، الآتية أساساً من النفط، نوجه تركيزنا إلى الإحصائيات المعنية بأوجه الصرف هذه على أرض الواقع. ويجب التنويه مرة أخرى بأن هذه الأرقام لا تشمل المصروفات السرية المذكورة سابقاً، بما فيها مخصصات العائلة الحاكمة والتحويلات الخارجية، التي سنعود إليها فيما بعد.
 
هيمنة المصروفات الجارية على المصروفات الرأسمالية
 
فيما يلي سنحاول استعراض الإحصائيات المتعلقة بأكبر عدد ممكن من دول الخليج، بناء على المعلومات المتوفرة لكل دولة. وقد تكون الإمارات هي الاستثناء الوحيد، كونها الدولة التي لن نغامر بتحليل تركيبة المصروفات فيها، نظراً لعدم توافر الإحصائيات.[7]
 
رسم بياني رقم 3.2.3 – الإيرادات والمصروفات العامة في السعودية

 
 
رسم بياني رقم 3.2.4 – الإيرادات والمصروفات العامة في الكويت
 
 
 
 
 
رسم بياني رقم 3.2.5 – الإيرادات والمصروفات العامة في البحرين
 

 
رسم بياني رقم 3.2.6 – الإيرادات والمصروفات العامة في قطر


 
رسم بياني رقم 3.2.7 – الإيرادات والمصروفات العامة في عمان
 

 
إن أول ما يشد انتباهنا من ناحية المصروفات العامة في دول مجلس التعاون هو درجة تقلباتها المتدنية جداً مقارنة بالإيرادات العامة، التي هي أساساً إيرادات نفطية كما ذكرنا. فالإيرادات العامة ما تنفك تتقلب مع سعر النفط، الذي يعتبر من أكثر السلع تقلباً من ناحية السعر على مستوى العالم، فتصعد معه الإيرادات ثم تهبط (أنظر الرسوم البيانية السابقة). وكمثال، ارتفعت الإيرادات العامة في السعودية بنسبة أكثر من 2000% على مدى طفرة السبعينات (الطفرة النفطية الثانية)، ثم هبطت بنسبة 60% خلال أزمة الثمانينات والتسعينات، وبعدها ارتفعت باطراد بأكثر من 700% خلال الطفرة النفطية الأخيرة، لتهبط أكثر من 50% بعد تدهور أسعار النفط في عامي 2015 و2016.

في المقابل، نجد المصروفات أقل تقلباً، ولا تعتريها التغيرات الفجائية من سنة إلى أخرى، بل إننا عادة ما نجدها في تصاعد شبه مستمر، كما تكون نسبة الارتفاع فيها أقل نسبيا من نسبة الارتفاع في الإيرادات خلال فترة الطفرات النفطية. في المقابل، لا تسجل المصروفات هبوطاً خلال فترة ركود أسعار النفط بالقدر الذي تشهده الإيرادات.

رسم بياني رقم 3.2.8 – المصروفات الجارية والرأسمالية في السعودية
 

رسم بياني رقم 3.2.9 – نسبة المصروفات الجارية والرأسمالية في السعودية
 
 
 
ولو تمعنا في المصروفات، سنجد أن أساس الارتفاع المستمر فيها يرجع إلى غلبة المصروفات الجارية المتكررة عليها. أما المصروفات الرأسمالية فتشكل نسبة لا تتعدى الثلث في أي من دول الخليج، وتهبط في بعض دوله، كالبحرين والكويت، إلى 10-15% من إجمالي المصروفات في بعض السنوات. وفي حالة المصروفات الجارية المتكررة، مثل الرواتب والدعم والتحويلات، فإن الدولة تفكر ملياً قبل تخفيضها، نظراً للتبعات السياسية والعملية المتوقعة من خفضها، كونها تؤثر بشكل أساسي على دخل عامة الشعب. ولذلك يلاحظ أن تلك المصروفات أقل تقلباً عموماً من غيرها، فضلاً عن ميلها إلى الازدياد مع تعاظم عدد السكان ومستويات الاستهلاك. في المقابل، فإن المشاريع الرأسمالية هي الأكثر تقلباً، حيث ترتفع بحدة خلال فترات الطفرات وتهوي خلال فترات الأزمات، إذ يرى متخذو القرار بأنه من الأسهل سياسياً إلغاء بعض المشاريع الضخمة المزمع بنائها، بدلاً عن تخفيض الرواتب والدعم والمصاريف المتكررة الأخرى.

 
رسم بياني رقم 3.2.10 –المصروفات الجارية والرأسمالية في الكويت
 

 
رسم بياني رقم 3.2.11 –المصروفات الجارية والرأسمالية في البحرين
 
 

رسم بياني رقم 3.2.12 –المصروفات الجارية والرأسمالية في قطر
  
رسم بياني رقم 3.2.13 –المصروفات الجارية والرأسمالية في عمان [8]


 
تركيبة المصروفات الجارية
 
ولو نظرنا إلى تركيبة المصروفات الجارية، نجد أن المرتبات، والتحويلات، والإعانات، والدعم (كدعم الطاقة والمياه والغذاء، إلخ) تشكل الجزء الأكبر منها في دول مجلس التعاون. وتشكل المرتبات على وجه الخصوص نصيباً معتبراً من اجمالي مصروفات دول مجلس التعاون، تتراوح بحسب الدولة ما بين 20% (قطر) إلى 40% (البحرين)، وتظل هذه النسب ثابتة نسبيا على مر الزمن، في مقابل التقلبات التي تطرأ على المصروفات الرأسمالية.
 
وكما نوهنا سابقاً، فإن الرواتب الحكومية في دول الخليج لا تأخذ فقط شكل المقابل المادي نظير خدمة العمل التي يوفرها الموظف، بل تعمل الرواتب والتوظيف الحكومي كآلية لتوزيع جزء من إيرادات النفط على المواطنين. ولذلك، تتركز غالبية المواطنين في العمل في الأجهزة الحكومية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الطلب على الوظائف في الدوائر الحكومية، ونمو ما يسمى بـ "العقلية الريعية" و"البطالة المقنعة" في صفوف المواطنين العاملين في القطاع الحكومي. ولكن هذا لا يعني أن توزيع الريع هو الغرض الوحيد من الرواتب الحكومية، كما لا يعني أنها في جزء منها على الأقل تمثل أجراً مقابل خدمات العمل التي يقدمها الموظف للدولة، حتى وإن تفاوتت جودة هذا العمل وارتباطه بالأجر، إذ كان للكادر الحكومي الدور الرئيسي في توفير الخدمات الاجتماعية المقدمة من قبل أجهزة الدولة، من صحة وتعليم ودفاع وأمن وجهاز قضائي وغيرها.
وظاهرة هيمنة المصروفات الجارية سارية على جميع دول مجلس التعاون بلا استثناء، مع وجود بعض الاختلافات. ففي الكويت، أثرت عملية شراء الأراضي من قبل الدولة تأثيراً بالغاً في المصروفات خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، ومن ثم هبطت إلى أن تلاشت تقريباً في عصرنا الحالي. في المقابل، ترتفع نسبة المصروفات الرأسمالية في عمان وقطر نسبياً لتصل إلى حوالي 30% من إجمالي المصروفات الجارية، مقابل تدنيها إلى 15% في البحرين والكويت. ويلاحظ في جميع الدول زيادة نسبة التحويلات بشكل مطرد على مر الزمن، خصوصا في الخمس عشرة سنة الأولى من القرن الحادي والعشرين، ما يعكس تزايد حجم المصروفات التي تحولها الدولة إلى جهات تعتبر خارج سيطرة وزاراتها هيكلياً، الأمر الذي يثير تساؤلات عدة حول مدى الرقابة على تلك الأموال واستدامتها في ظل ارتفاع التزامات الدولة من تحويلات إلى الأطراف المذكورة. هذا بالإضافة إلى تزايد كمية الدعم الحكومي للطاقة والمياه وغيرها، والذي ما انفك يزداد مع تزايد عدد السكان في دول مجلس التعاون على مدى العقود السبعة الأخيرة.

 
رسم بياني رقم 3.2.14 –تركيبة المصروفات العامة في البحرين
  

 
رسم بياني رقم 3.2.15 –تركيبة المصروفات العامة في عمان

 
رسم بياني رقم 3.2.16 –تركيبة المصروفات العامة في الكويت

 
رسم بياني رقم 3.2.17 –تركيبة المصروفات العامة في قطر

تحليل المصروفات العامة من ناحية القطاعات
 
إذا ما نظرنا إلى المصروفات العامة من ناحية القطاعات التي توجه إليها، فبإمكاننا تقسيم هذه القطاعات بشكل عام إلى التالي:
 
·         قطاع الإدارة العامة – ويشمل هذا القطاع أنشطة إدارة وحماية الدولة، بما فيها الدفاع والأمن والعدل والخارجية.
·         قطاع الخدمات الاجتماعية – ويشمل هذا القطاع خدمات الرفاه الاجتماعية التي تقدمها الدولة welfare state، بما فيها الصحة والتعليم والعمل والشؤون الاجتماعية الأخرى.
·         قطاع البنية التحتية – ويشمل هذا القطاع ما تصرفه الدولة على الموارد الحيوية ومشاريع البنية التحتية في الدولة، بما فيها الطاقة والمياه والشوارع والإسكان والاتصالات والمواصلات.
·         قطاع النفط والغاز – ويشمل هذا القطاع صرف الدولة على تطوير القطاع الذي يعتبر العصب الرئيسي للإنتاج في دول مجلس التعاون.
هذا بالإضافة الى بعض القطاعات المتفرقة الأخرى، كالقطاع المالي، الذي يشمل وزارات التجارة والمالية، وغيره من القطاعات الصغيرة ذات الصرف الحكومي عليها (كالزراعة وغيرها).
وإذا ما نظرنا إلى الاحصائيات المتوفرة، نستنتج طغيان مصروفات الإدارة العامة بشكل كبير في كل دول المجلس، خصوصاً المصروفات العسكرية والأمن العام. ويصل نصيب المصروفات العسكرية ذروته في عمان، حيث تشكل حوالي 30% من المصروفات، في مقابل تربع البحرين على صدارة مصروفات قطاع الأمن العام، حيث تصل المصروفات عليه إلى أكثر من 10% من إجمالي الميزانية. ومجموع هذين القطاعين (العسكري والأمني) في البحرين وعمان يتعدى 30% من الميزانية في كل منهما. وقد لا يكون هذا الأمر مستغرباً إذا أدركنا الدور المحوري الذي أداه القطاعين في تاريخ تكوين الدولتين، إذ يؤدي القطاع العسكري دوراً محورياً في عمان منذ أيام ثورة ظفار، وينطبق نفس الأمر على القطاع الأمني في البحرين وتعاطيه مع الحركات الاحتجاجية هناك منذ عشرينات القرن الماضي. ومن المتوقع أيضاً أن يؤدي القطاع العسكري دوراً محورياً في السعودية والإمارات، على الرغم من عدم تواجد بيانات تفصيلية حول هذا الجانب. وتخصص الميزانيات الأولية المعلنة في بداية كل سنة في السعودية جزءاً كبيراً منها للجانب العسكري منذ عقود (ولا تنشر السعودية الحسابات الختامية للقطاعات فيها). وقد خصصت السعودية نسبة أكثر من 20% من ميزانية عام 2016 للقطاع العسكري، فيما فاقت ميزانية قطاع الأمن العام 10%.[9] ومن باب المقارنة، فإن نسبة القطاع العسكري في المملكة المتحدة تهبط إلى 5%، فيما ترتفع إلى 15% في الولايات المتحدة، والتي تعتبر من أعلى النسب عالمياً.

 
رسم بياني رقم 3.2.18 –تركيبة المصروفات العامة في البحرين حسب القطاع
 

رسم بياني رقم 3.2.19 –تركيبة المصروفات العامة في عمان حسب القطاع
 
 

رسم بياني رقم 3.2.20 –تركيبة المصروفات العامة في الكويت حسب القطاع
 
 
 
في المقابل، يجب التنويه أيضاً بنصيب قطاع الخدمات الاجتماعية من ميزانيات دول الخليج، خصوصاً من ناحية الصحة والتعليم. وعلى الرغم من ان نسبة قطاع الخدمات الاجتماعية أقل من قطاع الإدارة العامة، إلا أنه يستحوذ بدوره على نسبة معتبرة تقدر بحوالي 20% من ميزانيات دول مجلس التعاون. وعلى الرغم من انتقاد البعض للخدمات الاجتماعية في دول الخليج بكونها لا ترتقي إلى المستوى المتوقع، خاصة من ناحية الجودة، إلا أن تلك الانتقادات ستكون مجانبة للحقيقة ولن تساعدنا على تفسير طبيعة اقتصاديات الخليج إذا ما تغاضينا عن واقع نمو نموذج دولة الرفاه في دول الخليج، بما فيها الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية، وبإمكاننا أيضاً أن نضيف تحت دولة الرفاه هذه ظاهرة الدعم للسلع الأساسية، كالغذاء والوقود والكهرباء والماء. وعلى الرغم من أن الكثير قد يعتبر دولة الرفاه هذه من المسلمات، إلا أنها ليست بالشيء المؤكد، فهناك دول كثيرة انهالت عليها ثروات نفطية، ولكن دولة الرفاه فيها كانت شبه معدومة، كما هو الحال كمثال في غينيا الاستوائية (Equatorial Guinea)، ونيجيريا، وفينزويلا (في فترة ما قبل وصول شافيز إلى سدة الحكم). بل لاحت بوادر تشير إلى محاولة دول الخليج تقليص مظاهر دولة الرفاه هذه مع أزمة أسعار النفط المتدنية في مطلع عام 2015، من خلال رفع الدعم المقدم على السلع وخصخصة بعض الخدمات الصحية والتعليمية.
 
رابعاً - المصروفات غير المعلنة في دول مجلس التعاون
 
ومن المهم التنويه بأن الأرقام السابقة لا تشكل كل أوجه الصرف في ميزانيات دول المجلس، كونها لا تشمل عدة مصروفات تعتبر سرية وغير معلنة، على الرغم من كبر حجمها. وحري بنا التعمق قليلاً في تحليل تلك المصروفات، نظراً لأهميتها في فهم تركيبة دول مجلس التعاون الاقتصادية.
 
من ضمن تلك المصروفات تبرز مخصصات العائلة الحاكمة من ميزانية الدولة كإحدى أهم أوجه الإنفاق السرية، وهي غير معلنة في كل دول المجلس ما عدى الكويت نسبياً. وعادة ما يتم التحكم بمثل هذه المخصصات وإدارتها عن طريق الديوان الملكي أو الأميري في كل دولة، وغالباً ما تأخذ شكل مخصصات شهرية لأفراد العائلة الحاكمة، بناء على ترتيبهم في الهرم الاجتماعي للعائلة. ويمكن أن تشمل هذه المخصصات منحاً من الأراضي أو الأموال لتغطية تكاليف الزفاف، أو السفر، أو غيرها من النفقات الخاصة.
 
أما التكهن بالمقدار الدقيق لهذه المخصصات فليس بالأمر الوارد، نظراً للسرية والتكتم اللذان يلفانها. وعادة ما يتكاثر حديث الناس عنها عن طريق الأخبار المتداولة في الوكالات الأجنبية بشأن تقديرات الثروة المزعومة لأعضاء العائلات الحاكمة، أو الشائعات المنتشرة حول الصفقات الباهظة التي يبرمها أعضاء العائلة الحاكمة لشراء قصور تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات. وقد تقدم لنا تكهنات موظفي السفارة الأمريكية، نقلاً عن وثائق ويكيليكس المسربة من السفارات الأمريكية عام 2013، لمحة مفيدة عن ماهية هذه المخصصات في العقدين الأخيرين. وتتعرض تلك التعليقات لطبيعة وحجم مخصصات العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية في عام 1996:
 
" الآلية الاكثر شيوعا لتحويل ثروة البلاد للعائلة المالكة هي عبر نظام مخصصات الرواتب الشهرية في الميزانية لجميع أفراد آل سعود، والذي يديره "مكتب المقررات والقواعد" في وزارة المالية. تتراوح الرواتب ما بين 270,000 دولار أمريكي شهرياً لذوي المرتبات العالية، إلى 800 دولار أمريكي شهرياً لأعضاء العائلة ذوي الصلات البعيدة. كما تتوفر المكافآت المالية للأعراس وبناء القصور. وتقدر السفارة مصروفات نظام الرواتب السنوي بحوالي 2 مليار دولار من إجمالي ميزانية الحكومة التي تقدر بـ 40 مليار دولار.
 
بالإضافة إلى نظام الرواتب، فإن حفنة من كبار الأمراء يثرون أنفسهم أيضاً من خلال التحكم بالإنفاق السنوي لعدة مليارات من الدولارات في برامج " خارج الميزانية" (OFF-BUDGET PROGRAMS). ومع عدم وجود رقابة أو ضوابط من قبل وزارة المالية على هذا الإنفاق، فإنه ينظر إلى هذه البرامج على أنها مصادر عمولة لكبار العائلة الحاكمة. ويتحكم خمسة أو ستة أمراء من خلال هذه البرامج "خارج الميزانية" بإيرادات مليون برميل نفط يومياً، من إجمالي الإنتاج اليومي للمملكة المقدر بـ 8 مليون برميل نفط خام يومياً".
 
مصروفات الدولة المباشرة خارجياً

يأخذنا الحديث عن غموض مخصصات العائلة الحاكمة إلى الحديث عن المصروفات الخارجية المباشرة لدول الخليج. وإن كانت الأرقام غامضة من ناحية الصرف الداخلي، فهي أكثر غموضاً من ناحية ما يصرف أو يستثمر خارجياً من قبل الدولة مباشرة. وكما أوضحنا مسبقاً، فبإمكاننا تقسيم المصروفات الخارجية المباشرة لدول الخليج إلى ثلاث مجموعات: التحويلات المباشرة إلى دول وجهات أجنبية، استثمارات الدولة المباشرة في الخارج، وصفقات واردات الأسلحة العسكرية.
 
لنبدأ بالتحويلات المباشرة لدول مجلس التعاون إلى جهات وحكومات أجنبية. مما لا شك فيه أن جزءاً لا يستهان به من إيرادات دول الخليج قد أعيد توجيهه مباشرة إلى جهات خارجية دون أن يدخل في الاقتصاد المحلي. ولهذه التحويلات تاريخ طويل، ولها أكثر من استعمال. فجزء منها يأخذ شكل المساعدات ذات الطابع الخيري والإنساني التي تقدمها دول الخليج في شتى بقاع العالم. وكمثال، فإن الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية هو أحد أقدم صناديق التنمية في العالم، وقد منح أكثر من 16.639 بليون دولار إلى 102 دولة حول العالم منذ إنشائه في عام 1961.[10] وتصدُر المساعدات الخيرية الخارجية بشكل أساسي من دول مجلس التعاون الأكثر ثراء (السعودية والإمارات وقطر والكويت)، وجميعها تمتلك صناديق وهيئات مماثلة لتوزيع كميات كبيرة من الأموال والتبرعات في جميع أنحاء العالم، إلا أن هذه الأرقام تبقى غير معلنة رسمياً فيما عدى الكويت.
نوع آخر من التحويلات المباشرة إلى الخارج هو ما يعرف بـ " دبلوماسية دفتر الشيكات" (chequebook diplomacy)، حيث تستعمل دول الخليج إيراداتها النفطية لتعزيز نفوذها السياسي على أطراف سياسية معينة في الخارج. ولا شك أن لهذه التحويلات تاريخاً طويلاً يمتد إلى بداية عصر تدفق عائدات النفط، وإن اكتنف الغموض آلياتها وأرقامها. فبعد هزيمة النكسة في حرب عام 1967، على سبيل المثال، خصصت المملكة العربية السعودية حوالي 10% من إيراداتها السنوية كمدفوعات إلى مصر والأردن في أعقاب اتفاق الخرطوم، وتواصلت هذه المخصصات إلى سبعينات العقد.[11]
 
وعلى الرغم من غياب المعلومات المؤكدة بشأن طبيعة وحجم التحويلات هذه، فإنها لا تزال مدار تكهنات أطراف مختلفة. فعلى سبيل المثال، اتضح في عام 2015 أن عاهل السعودية السابق قد قام "بإهداء" رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق 681 مليون دولار أمريكي، الأمر الذي سبب ضجة في بلده عند انكشافه للعلن. ومنذ تولي عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر عام 2014، فقد أفادت مصادر إعلامية متفرقة أن المملكة العربية السعودية والإمارات قد ضخت " عشرات المليارات من الدولارات" في مصر على صورة "رز" بهدف تحقيق الاستقرار في الاقتصاد المصري المتعثر.[12] كما كان متداولاً بأن قطر قامت قبل ذلك بدعم سلفه محمد مرسي بـ 7.5 مليار دولار أمريكي في فترة حكمه القصيرة.[13] كما شاع أيضاً أن قطر قد دعمت جماعات معينة في سوريا وليبيا بالمال والسلاح منذ عام 2011.  في المقابل، من المتداول أيضاً أن دولة الامارات العربية قد قدمت دعماً مالياً كبيراً لأطراف معينة في الصراع الليبي.[14] وبحكم طبيعتها، فإن " دبلوماسية دفتر شيكات" هذه محاطة بسرية وغموض بالغين، إذ لا يوفر أي من الطرفين المانح أو المتلقي التفاصيل للعامة حول هذه التحويلات، كما أنها لا تظهر إجمالاً في ميزانيات الدولة المعلنة. 
 
واردات الاسلحة
 
تشكل مصروفات استيراد الأسلحة الفئة الرئيسية الثانية من الإنفاقات الخارجية المباشرة للدولة. وكما هو الحال مع مخصصات العائلة الحاكمة، تتعذر معرفة الكمية المصروفة من هذه الناحية بالتحديد، لكننا نعرف أنها بدأت بالتضخم بشكل متواصل منذ الثمانينات، وأصبحت تشكل جزءاً لا يستهان به من ميزانيات الدول. وعلى رغم ما يلفها من الغموض، لا يزال بالإمكان الحصول على معلومات متناثرة حول هذه الصفقات، في المقام الأول لأن منتجي الأسلحة في الدول الغربية غالباً ما يجب عليهم الإعلان عن مثل هذه الصفقات. ووفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، والذي يعتبر المرجع الرئيسي حول بيانات تجارة الأسلحة عالمياً، فقد احتلت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة المركزين الثاني والرابع كأكبر الدول المستوردة للأسلحة في العالم ما بين السنوات 20102014، ممثلين ما يعادل 5% و4% على التوالي من إجمالي واردات الأسلحة في العالم في تلك السنين. وبحسب تقديرات متحفظة للغاية لقيمة استيراد الاسلحة في تلك السنوات، بناء على اسعار سنة 1990 الثابتة، فقد استوردت الإمارات أسلحة تقدر قيمتها بـ 15.1 مليار دولار أمريكي، فيما استوردت المملكة العربية السعودية ما قيمته 11.1 مليار دولار أمريكي من الأسلحة، وعمان 2.3 مليار دولار أمريكي، وقطر 1.0 مليار دولار أمريكي، والكويت 1.5 مليار دولار أمريكي، والبحرين 786 مليون دولار أمريكي. [15]
ويبدو أن هذه الارقام ارتفعت بشكل ملحوظ في السنوات التي تلت الانتفاضات العربية، فوفقاً لبيانات مجلة الأعمال فوربز (Forbes)، "فبين عامي 2013 و2014، فإن واردات الأسلحة إلى السعودية وحدها زادت 54% إلى 6.46 مليار في عام 2014. وقد استوردت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مجتمعة ما يعادل 8.6 مليار دولار أمريكي من المعدات العسكرية" في عام 2014.[16]
مثل هذه الأرقام الكبيرة لصفقات إيرادات الأسلحة ليست بمفاجئة، خاصة في ظل الإنفاق العسكري العالي في دول مجلس التعاون كما أسلفنا. فكما رأينا، غالباً ما تشغل ميزانيات القطاع العسكري والأمني القسم الأكبر من ميزانيات الدولة المعلنة. وليس من الواضح إن كانت هذه الأرقام العسكرية في الميزانية تتضمن الإنفاق على ما يتم استيراده من أسلحة، ام أنها تستثني هذا الإنفاق وتقتصر فقط على الإنفاق العسكري المحلي (كرواتب العسكريين والمصروفات المحلية على الخدمات والسلع). وتتصدر دول مجلس التعاون القوائم العالمية من ناحية الإنفاق العسكري للفرد وكنسبة مئوية للناتج المحلي الإجمالي. وكمقارنة، فان الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي يتعدى مجموع الإنفاق العسكري للمملكة المتحدة والكيان الصهيوني معاً (أنظر الرسوم البيانية التالية) .[17]

رسم بياني رقم 3.2.21 –الانفاق العسكري كنسبة من اجمالي الناتج المحلي

 
 
رسم بياني رقم 3.2.22 – اجمالي الانفاق العسكري

 
استثمارات الدولة الخارجية
 
وأخيراً، فقد تمثل الاستثمارات الخارجية الجزء الأكبر والأهم من توظيف إيرادات النفط خارج حدودها. وتختلف طبيعة وكمية هذه الاستثمارات من دولة إلى أخرى وبين فترة وأخرى، حيث نجدها متركزة بشكل أساسي في الدول ذات صادرات النفط العالية نسبة إلى سكانها، كالإمارات وقطر والكويت، بالإضافة إلى السعودية نظراً لحجمها وحجم صادراتها. في المقابل، فإن أحجام هذه الاستثمارات الخارجية تعتبر متواضعة نسبياً في عمان والبحرين. وعموماً، فقد ارتفعت استثمارات دول الخليج المباشرة في الخارج في فترات الطفرات النفطية، كما كان الحال في طفرة السبعينات وفي طفرة الألفية الثالثة، وهبطت في فترات كساد سوق النفط، كما كان الحال في الثمانينات والتسعينات، حيث اضطرت دول الخليج إلى اللجوء للسحب من احتياطاتها من الأصول الأجنبية لتغطية العجز في ميزانياتها.
 
وكما هو الحال حول المشتريات العسكرية والتحويلات المالية الخارجية المباشرة، يكتنف الغموض حجم هذه الاستثمارات أيضاً. وبحسب بيانات معهد الصناديق السيادية، تقدر قيمة الصناديق السيادية لدول الخليج في منتصف عام 2016 بحوالي 2.8 تريليون دولار، منها 1.1 تريليون تابعة للإمارات العربية المتحدة وحدها (منها 900 بليون لأبو ظبي)، و785 مليار دولار للسعودية، و592 مليار دولار للكويت، و335 مليار دولار لقطر، و40 مليار دولار لعمان، و10.6 مليار دولار للبحرين. وفي حين لا نعرف التركيبة الدقيقة لهذه الصناديق من حيث الاستثمارات خارج حدود البلد أو داخله، يبقى بإمكاننا القول بأن غالبيتها هي استثمارات في الخارج، ولكنها تتضمن أيضاً الكثير من الاستثمارات الحكومية الداخلية في الشركات المحلية  (بالذات في البحرين)، مع التنويه بأن هذه الصناديق قد لا تشمل كل استثمارات الدولة المحلية.[18]
 

جدول رقم 3.2.1 - تقديرات اجمالي حجم الصناديق السيادية في سبتمبر 2016

 
خامساً - شفافية الميزانيات في الخليج والمصروفات والإيرادات الغير معلنة
 
وعموماً، بالإمكان القول إن ميزانيات دول الخليج غير شفافة وغير مستقلة، وهذه النقطة، فضلاً عن الضبابية التي تلف ميزانيات دول الخليج بشكل عام، تستحق التوقف عندها قليلاً، حيث يجد الراغب بدراستها صعوبة في الوصول إلى الحسابات الختامية للميزانيات العامة، أو إلى تقارير دواوين المحاسبة، التي تعتبر في بعض بلدان المنطقة سرّاً من أسرار الدولة، لا يحقّ للعموم الاطلاع عليه.
 
وإذا استثنينا الكويت، فإنّنا لا نجد دواوين المحاسبة العامة في بلدان المنطقة مستقلة عن السلطة التنفيذية. كما نجد الكثير من بلدان المنطقة لا تُتيح الاطلاع على الحسابات الختاميّة للميزانيّات العامة. بل نجد أنّ بعض هذه البلدان لا يعلن تفاصيل الميزانية العامة التقديرية، ولا يسمح حتى لمجالس الشورى فيها بالاطلاع على الميزانيات التقديرية بكاملها، بصرف النظر عن الاطلاع على الحسابات الختاميّة للميزانيات العامة، أو تقرير ديوان المحاسبة حيث وُجد.
 
ففي عام 2015، انفردت الكويت نسبياً بصفتها الدولة الخليجية الوحيدة التي خضعت لتدقيق علني ومستقل وشفاف لحسابات ميزانيتها الختامية. ويتم تدقيق عائدات الدولة بواسطة ديوان المحاسبة، الذي يعتبر كياناً مستقلاً ومسؤولاً أمام مجلس الأمة الكويتي المنتخب. وقد نص الدستور على التدقيق المستقل للميزانية في المادة 151:
 
"ينشأ بقانون ديوان للمراقبة المالية يكفل القانون استقلاله، ويكون ملحقا بمجلس الأمة، ويعاون الحكومة ومجلس الأمة في رقابة تحصيل إيرادات الدولة وإنفاق مصروفاتها في حدود الميزانية، ويقدم الديوان لكل من الحكومة ومجلس الأمة تقريرا سنويا عن أعماله وملاحظاته."
 
بالطبع لا يعني هذا غياب الفساد عن الكويت، بل إن البيروقراطية الحكومية في الوقت الحاضر هي الأسوأ سمعة في الخليج من ناحية "الفساد المتوسط" المتواجد في بيروقراطية الدولة بمؤسساتها المختلفة، حيث تعتبر المحسوبية سمة جلية في الكثير من المؤسسات والهيئات الحكومية بمستوى يفوق المتعارف عليه في بقية دول المجلس. علاوة على ذلك، فإن تصنيفات الإنفاق التي يتبعها ديوان المحاسبة في الكويت لاتزال أقرب إلى المعايير القديمة غير المفصلة إذا ما قورنت بنظيراتها في الدول الغربية. وبالتالي فإن الوضع لا يزال بعيداً عن المثالية. ولكن يبقى أن "الفساد الكبير" وعائدات وإنفاقات الميزانية للدولة قد وضعت رسمياً تحت إشراف ومراقبة مدقق مستقل.
 
وتعتبر الكويت فريدة من نوعها في دول مجلس التعاون الخليجي من هذه الناحية، إذ لا تمتلك دولة أخرى ديوان محاسبة بنفس مستوى الاستقلالية والشفافية. كما تنفرد الكويت بقانون ينص على مخصصات "الأمير" بشكل واضح ومحدد. وقد ارتفعت هذه المخصصات في سنة 2006 من 8 ملايين دينار كويتي إلى 50 مليون دينار كويتي (165 مليون دولار أمريكي)، مع وصول الأمير صباح الأحمد إلى سدة الحكم. هذا بالإضافة إلى مخصصات الديوان الأميري، التي وصلت إلى 733 مليون دينار كويتي (2.4 بليون دولار أمريكي) في موازنة 2014-2015.[19]
 
تختلف الحال في بقية دول مجلس التعاون. ففي حين أنشئت في جميع دول الخليج دواوين محاسبة معنية بتدقيق إيرادات ومصروفات الدولة حسب معايير وأسس بيروقراطية حديثة، يتمحور لب المسألة حول درجة الاستقلالية والشفافية والمساءلة التي تتمتع بها هذه الأجهزة، وكلها لم تصل إلى المستوى الذي وصل إليه ديوان المحاسبة في الكويت، على الرغم من وجود فروقات بين الدول. ففي البحرين، يوجد ما يسمى بـ " ديوان الرقابة المالية والإدارية"، الذي نص عليه المرسوم 16 لسنة 2002، والمعني بالإشراف على الحسابات الختامية للوزارات الحكومية. ويقوم الديوان بنشر الحسابات الختامية للدولة، بالإضافة إلى تقرير سنوي للجمهور يغطي فيه الأنشطة المالية والمخالفات في مختلف وزارات الدولة. وقد قام الديوان بإصدار نسخته العاشرة في عام 2015، التي غطت السنة المالية 2014/2015.[20] والانطباع العام السائد هو أن التقرير يقوم بعمل مهني ومفصل، وقد أصبحت المخالفات والتجاوزات المالية التي يحتويها التقرير محط الحديث والاهتمام العام.

لكن هذا الديوان يقع قانونياً وهيكلياً تحت مظلة الديوان الملكي، وبذلك فهو عبارة عن هيئة غير مستقلة مسؤولة أمام الملك فقط بالمقام الأول. علاوة على ذلك، فإن الحسابات الختامية وتقرير التجاوزات المعلن والمتاح للجمهور لا يغطي جميع نفقات الدولة، وكما سنرى، فهناك تساؤلات حول ما إذا كان يغطي جميع عائدات النفط أيضاً. فلا تظهر في الحساب الختامي ميزانية الديوان الملكي. وعلى الرغم من تضمُّن الحساب الختامي رقماً لإجمالي نفقات الأجهزة العسكرية، إلا أنه لا يتضمن أي تفاصيل حولها، أما التدقيق في هذه النفقات فيتم عبر جهة خاصة غير معلنة للعموم. بل أنه عندما أثارت شخصية معارضة في مقابلة شهيرة على التلفزيون الحكومي هذه المسألة، تم فصل وزير الإعلام وإلغاء البرنامج التلفزيوني.[21] بالإضافة إلى ذلك، فإن التقرير لا يدخل في تفاصيل ميزانيات العديد من الهيئات والمؤسسات الحكومية "المستقلة"، كما هو الحال مع مجلس التنمية الاقتصادية والصندوق السيادي "ممتلكات".
 
تعتبر الحال مشابهة في سلطنة عمان، حيث تُعهد إلى "مجلس الرقابة المالية والإدارية للدولة" مهمة الإشراف على التدقيق المالي والإداري لوزارات الدولة حسب المرسوم السلطاني رقم 2000/55، وقد تم تحديث الجهاز عبر المرسوم السلطاني رقم 2011/27، في أعقاب احتجاجات سنة 2011. ويفترض على الهيئة تقديم الحساب الختامي للميزانية، بالإضافة إلى تقرير حول أي تجاوزات، إلى مجلس الوزراء ومجلس الشورى المنتخب. وعلى الرغم من نشر الحساب الختامي للعلن، وإن متأخراً، فإن تقرير التجاوزات سري ولا يتم نشره للعامة.  وكما هو الحال في البحرين، فإن الحساب الختامي لا يقدم أي تفاصيل حول ميزانية القطاع العسكري سوى الرقم الإجمالي، ونفس الأمر ينطبق على مصروفات الديوان السلطاني، التي يثير تساؤلات حول تغطية الرقم المعلن جميع مصاريفه. ولكل من هاتين الجهتين دواوين محاسبة خاصة تدقق حساباتها، التي لا يتم الكشف عنها للعامة أو لمجلس الشورى المنتخب من الشعب.
 
وإن كان الغموض يلف الوضع في عمان والبحرين، فالوضع أكثر غموضاً في باقي دول المجلس. فكما ذكرنا سابقاً، تنتشر دواوين المحاسبة في جميع دول المجلس، وهي جزء أساسي من أي بيروقراطية حديثة، ولا تختلف أي من الإمارات والسعودية وقطر من هذه الناحية. إلا أنه لا يوجد في أي من هذه الدول حساب ختامي معلن لميزانية الدولة، كما لا يتوفر تقرير عن التجاوزات المالية، ولا تعتبر أي من هذه الدواوين مسؤولة أو محاسبة من قبل هيئات منتخبة شعبياً. فالأرقام الختامية لميزانية الدولة المعلنة سنوياً في المملكة العربية السعودية لا تكاد تتعدى الثلاثة سطور لكل من الإيرادات والإنفاقات. أما في قطر، فلا يتم نشر الميزانية المفصلة والحسابات المغلقة حتى لمجلس الشورى المعين، والحال كذلك في السعودية. وفي كلا البلدين، تعتبر هذه الميزانيات من اختصاص المجلس الوزاري. وكما هو الحال في البحرين وعمان، فجميع هذه الدول لا تقدم اي تفاصيل في بنود المخصصات الملكية، والإنفاقات العسكرية، ومخصصات الهيئات والمؤسسات الحكومية المستقلة غير الوزارية.
 
بل لا نبالغ إن قلنا بأن ميزانيات دول مجلس التعاون الخليجي هي الأقل شفافية على مستوى العالم. فبحسب "مبادرة الموازنة المفتوحة" (Open Budget Initiative)، وهي منظمة توفر مؤشر يقيس نسبة شفافية واستقلالية ميزانية الدول على مستوى العالم، لم تدرج سوى دولتين خليجيتين في المؤشر لعام 2015، هما قطر والسعودية.[22]  وقد صنفت الدولتين في قاع الترتيب، ضمن فئة الشفافية "الضئيلة أو المعدومة"، حيث تبوأت مراتب خلف بلدان مثل العراق، وميانمار، ولبنان، وغينيا الاستوائية، وفنزويلا، والسودان. وتقيّم هذه المبادرة ميزانيات الدول بناء على ثلاثة معايير هي: الشفافية، والمشاركة الشعبية في وضعها، وفي آليات المحاسبة الموجودة فيها. وقد حصلت السعودية وقطر على نتيجة 0 من 100 في المعايير الثلاثة عام 2015.
 
وبهذا، نخلص إلى أن الإيرادات والنفقات الحكومية في دول المجلس، باستثناء الكويت جزئياً، تعتبر غامضة ومحاطة بالسرية، ويتم إعدادها وتدقيقها من قبل هيئات لا تعد مسؤولة أمام العامة. وعندما ندمج هذا الاستنتاج مع ما سردناه سابقاً من إنفاقات تعتبر خارج الميزانية المعلنة، من مخصصات العائلة الحاكمة، والإنفاقات الحكومية المباشرة خارج الدولة، من استثمارات وتحويلات وصفقات التسليح، فالاستنتاج هو أن هناك كميات كبيرة من الإيرادات النفطية والنفقات غير المعلنة رسمياً. وبهذا يجب علينا التحفظ عند التعامل مع الإحصائيات السالفة حول الإيرادات والنفقات، إذ ما من شك أنها أدنى من الواقع ولا تشمل كل الإيرادات والإنفاقات.
 
وإلى جانب كون جزء لا يستهان به من الإيرادات والإنفاقات غير معلناً، يصعب إعطاء أي أرقام دقيقة عن الفوارق بين الإيرادات والإنفاقات المعلنة وتلك الرسمية. وقد حاولنا في دراسة مشتركة سابقة إلقاء الضوء على الفروقات بين صادرات دول المجلس الفعلية من النفط في مقابل إيراداتها النفطية المعلنة في السنوات من 2002 إلى 2011، وقد تبين لنا أن تقديرات الصادرات الفعلية لدول المجلس من النفط والغاز تفوق ما تمّ إدراجه رسميّاً من إيرادات النفط في الميزانيات المعلنة بما يزيد على 772 مليار دولار، أي ما يساوي أكثر من ربع الدخل الحكومي المعلن من النفط والغاز في هذه الدّول في تلك الفترة، والذي بلغ 2867 مليار دولار.[23]
 
وقد تبدو هذه الأرقام مبالغة وخيالية من الوهلة الأولى، لكن التاريخ يخبرنا بأنها أقل نسبياً مما كانت العائلات الحاكمة تستحوذ عليه في الماضي القريب، حيث وصلت النسبة إلى أكثر من 50% في بعض البلدان في فترات معينة، كما سنبين في القسم التالي. وإن أخذنا في الاعتبار أن كثيراً من أوجه الإنفاق سالفة الذكر لا تدرج في ميزانيات الدولة، بما فيها ميزانيات الدواوين الملكية والمدفوعات الخارجية المباشرة، فضلاً عن غياب الشفافية في عملية تدقيق الحسابات، فعندها قد لا تبدو هذه الأرقام الضخمة من وحي الخيال كلياً.
 
ولم تشكل هذه الظاهرة، ظاهرة الضبابية والغطاء المالي في ميزانية الدولة، واقع الحال دائماً في غالبية دول المجلس. بل إن الطفرة النفطية في سنة 1973 كانت بمثابة نقطة التحول من ناحية الشفافية والاستقلالية عند تدقيق الميزانية، حيث مكنت الفوائض الكبيرة في الميزانيات الحكومات من الإنفاق بغزارة على العامة، متيحة لهم فرصة تخصيص الأموال بشكل سري بعيداً عن المسائلة العامة في نفس الوقت.
 
سادساً - أوجه إنفاق إيرادات النفط في بداية تكوين الدولة
 
وبإمكاننا تكوين فكرة عن أوجه إنفاق إيرادات النفط في دول مجلس التعاون بالرجوع الى فترة بداية تكون الدولة، التي تزامنت تقريباً مع فترة بداية تصدير النفط، حتى نلقي الضوء على تركيبة إنفاقات الدولة في تلك الفترة وما يمكن أن تبينه عن الفترة التي تلت الطفرة النفطية في عام 1973. فالإحصائيات المتعلقة بأوجه الإنفاق في تلك الفترة متوفرة، على عكس حال الفترة الحالية. وتتضمن هذه الإحصائيات مخصصات العائلات الحاكمة والاستثمارات الخارجية للدولة. ومن حسن حظنا أن علي خليفة الكواري قد قام في أطروحة الدكتوراه بتتبع إيرادات النفط وأوجه صرفها في ثلاث دول كانت من أوائل من صدر النفط في المنطقة، وهي الكويت والبحرين وقطر، منذ بداية تصدير النفط في عام 1932 حتى عام 1970.[24] وإذا ما نظرنا إلى البيانات التي توصل إليها حول بدايات تكوين الدولة وإنفاقات النفط المصاحبة لهذا التكوين، يتبين لنا الآتي:
 
من ناحية إيرادات الدولة العامة، يتبين تشكيل الإيرادات النفطية نسبة 78% من إجمالي الإيرادات الحكومية في البحرين (للأعوام 1947-1948 إلى 1970)، والكويت 91.4% (19521970/1971)، وقطر 92% (53/551970).
 
ويتبين لنا توجيه الغالبية الساحقة من الإيرادات النفطية (بعد خصم الإيرادات غير النفطية) نحو نوعين من الصرف في الدول الثلاث: المصروفات الجارية، ومخصصات العائلة الحاكمة. ففي البحرين، خصصت 44.5% للمصروفات جارية، و32.3% لمخصصات الحاكم والعائلة الحاكمة، بما مجموعه 76.8% من الإيرادات. ومن ثم ذهبت 20.9% للمصروفات الرأسمالية، و2.2% إلى استثمار مدخرات (صندوق الأجيال).
 
أما في الكويت، فقد وجهت 46.8% من الإيرادات إلى المصروفات الجارية، و2.7% إلى مخصصات العائلة الحاكمة، في حين خصصت كمية كبيرة بلغت 20.6% لشراء الأراضي (التي مثلت طريقة لتوزيع الثروة على ملاك الأراضي، خصوصاً من العائلة الحاكمة، كما سنرى)، ومن ثم 11.2% خصصت لاحتياطي الاستثمار، و18.4% للمصروفات الرأسمالية.
 
وفي قطر بلغت نسبة مخصصات العائلة الحاكمة 35.1% من إجمالي إيرادات النفط، فيما توجهت 20.5% إلى المصروفات الجارية، و9.9% إلى مخصصات شراء الأراضي، و17.1% إلى المصروفات الرأسمالية، و %20.6 الى صندوق الاستثمار.
 
إذن، لو نظرنا إلى أوجه استعمال إيرادات النفط، أمكننا تقسيمها إلى قسمين رئيسيين: الأول يشمل المصروفات الجارية والتحويلات إلى أفراد معينين في الدولة، وهي تتضمن مخصصات العائلة الحاكمة ومخصصات شراء الأراضي، والثاني يشمل المصروفات الرأسمالية والاستثمارية (في صندوق الأجيال). وإذا ما نظرنا إلى الأول، تبين لنا أنه استحوذ على 76.8% من إيرادات النفط في البحرين، و70.1% في الكويت، و65% في قطر. وأما الباقي فوزع بين صناديق الاستثمار والمصروفات الرأسمالية.
 
أما من ناحية القطاعات، فكان القطاعان اللذان استحوذا على النصيب الأكبر من المصروفات الجارية هما قطاع الخدمات الاجتماعية وقطاع الأمن العام. فقد استحوذت الخدمات الاجتماعية على 65.7% في البحرين كنسبة من المصروفات الجارية، و31.8% في الكويت، و53.7% في قطر، بينما بلغت نسبة القطاع الأمني من المصروفات الجارية 26.7% في البحرين و22.9% في الكويت و41.6% في قطر. وهو أمر مشابه لما رأيناه في الإحصائيات التي قدمناها في الفصل السابق للفترة التي تلت طفرة السبعينات النفطية إلى يومنا هذا، مع فارق أن نسبة القطاع الأمني والعسكري تبدو في ازدياد منذ طفرة السبعينات إلى الآن.[25] بالإضافة إلى ذلك، فإن نسبة المصاريف المتكررة على "الإدارة العامة" في الكويت في مرحلة ما قبل 1970 كانت عالية جداً (41.4%)، ما يعكس أن الكويت كانت أول دولة من دول الخليج قامت باستعمال التوظيف في القطاع الحكومي ليس فقط لتقديم خدمات الدولة، بل أيضاً كطريقة لتوزيع إيرادات النفط بين المواطنين، مما زاد من التوظيف الحكومي ومصاريف الدولة لتمويل هذه البيروقراطية الحكومية منذ خمسينات القرن الماضي. 
 
سابعاً - خاتمة: تحويل الثروة العامة إلى جهات خاصة، وغلبة النفقات الجارية على الرأسمالية
 
ما هي زبدة الاستنتاجات التي يفضي إليها ما سبق من تحليل لأرقام إيرادات النفط وأوجه صرفها في دول الخليج؟ بغض النظر عن انعدام الشفافية والغموض الذي يلف هذه الإحصائيات من ناحية الإيرادات والإنفاق غير المعلن، بإمكاننا التوصل للنتائج التالية بناء على المعلومات المتوفرة:
 
1. أفردت كمية لا يستهان بها من إيرادات النفط كمخصصات للعائلة الحاكمة، ولا يعلم نسبة أو كمية هذه المخصصات حالياً، لكنها قدرت بحوالي ثلث إيرادات النفط في فترات تاريخية سابقة كما بينا سالفاً.  وهذه ظاهرة فريدة من نوعها في العالم، وتدل على الدور الخاص والمحوري الذي تضطلع به العوائل الحاكمة في دول الخليج.
 
2. معدلات الصرف على الخدمات الاجتماعية أيضاً تعتبر ضخمة نسبياً وتحتاج إلى تفسير. فعلى الرغم من أن الكثير قد يرى أنها لا ترتقي إلى المستوى المتوقع، خاصة من ناحية الجودة، فإن التغاضي عن واقع نمو دولة الرفاه في الخليج سيكون مجانباً للحقيقة ولن يساعدنا على تفسير طبيعة اقتصاديات المنطقة، بما فيها الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية. وكما ذكرنا سابقاً، فقد لاحت بوادر تشي بمحاولة دول الخليج تقليص مظاهر دولة الرفاه هذه مع أزمة أسعار النفط المتدنية في مطلع عام 2015.
 
3. تشكل الرواتب جزءاً كبيراً جداً من مصروفات الدولة، بالإضافة إلى كثافة التحويلات إلى أفراد وجهات معينة (غير مخصصات العائلة الحاكمة) ، التي تشمل دعم السلع والأسر وغيرها من مصروفات. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من إيرادات النفط يوجه إلى تحويلات وبدلات ورواتب لجهات خاصة معينة، من مواطنين عبر الرواتب، وجهات معينة عبر التحويلات التي تحصل عليها من الحكومة، كمعونات الغلاء والعائلة وغيرها.
 
4. و5. الخاصية الرابعة تكمن في ارتفاع معدلات الصرف على الجانب العسكري إلى مستويات عالية جداً، سواء من ناحية الكمية أو النسبة. وهذه ترتبط بالظاهرة الخامسة، وهي ارتفاع معدلات الصرف على الأجهزة الأمنية (الداخلية) أيضاً. ولكل من هذين النوعين من الصرف آلياته الخاصة، برغم تقاربهما، وكل منهما بحاجة الى تفسير.
 
تركز الظواهر الخمس السالفة على المصروفات الجارية أو المتكررة، ما يجرنا إلى الخاصية السادسة، التي تركز على المصروفات الرأسمالية:
 
6. الخاصية السادسة تتمثل في ضآلة معدلات الصرف الرأسمالي نسبياً، إذ لا تتعدى حوالي الثلث من إيرادات النفط في أي من دول المجلس، ويغلب عليها التذبذب الحاد عموماً، فترتفع في فترات الطفرة في أسعار النفط، ومن ثم تهبط في فترات ركود الاسعار. وهو عكس ما يحصل مع المصروفات الجارية، التي ما انفكت تزيد كنسبة على مر الزمن. وينطبق هذا التذبذب على شتى أنواع المشاريع الرأسمالية التي استعرضناها، أمحسوبة كانت على قطاع البنية التحتية العامة، أم المشاريع العامة المحلية الاستثمارية، كالشركات التي للحكومة نصيب فيها، أم الاستثمارات في الصناديق السيادية والأصول والشركات الأجنبية.
 
إذن، زبدة الكلام هي أن معظم إيرادات النفط اتجهت نحو توظيفات لا تعتبر رأسمالية. فكان أكبر توظيف لها هو كرواتب لموظفين في الدولة، وبناء الأجهزة الأمنية والعسكرية، وخدمات دولة الرفاه من تعليم وصحة غيرها، بالإضافة إلى دعم السلع الاستهلاكية، والتحويلات المباشرة للعائلة الحاكمة والمواطنين. وهذه المصروفات، التي تأخذ أساساً شكل تحويل إيرادات النفط العامة إلى أطراف خاصة، تعدت بشكل كبير استثمارات الدولة الخارجية والداخلية. ما يعني أن أغلب إيرادات النفط تُحوَّل إلى أطراف خاصة، إما عن طريق الرواتب، أو مشتريات الدولة من القطاع الخاص، أو التحويلات المباشرة، ومن ثم يكون لهذه الأطراف الخاصة حرية التصرف في النقد المحصل.
 
في المقابل، فإذا ما أردنا تلخيص ما تم استثماره من قبل الدولة من إيرادات النفط مباشرة كرأسمال، نجدها متركزة في الاستثمارات الرأسمالية في الخارج، والاستثمارات الرأسمالية في الشركات الحكومية والمختلطة في الداخل، وأخيراً في مشاريع البنية التحتية (على الرغم من التحفظات التي تطرقنا إليها حول هذه الأخيرة)، وهي لم تتعد الثلث من إيرادات النفط على كل حال.
 
إذن الاستنتاج العام هو أن الدولة، وهي الجهة التي تستلم إيرادات النفط من العالم الخارجي، لم تستعمل الغالبية من هذه الإيرادات النفطية كرأسمال عام، بحيث يستثمر كثروة عامة في أنشطة إنتاجية مبنية على تنمية هذه الثروة، بل استعملت الغالبية الساحقة من إيرادات النفط كتوزيعات ومخصصات جارية لم ترتبط بالإنتاج، منحت لجهات خاصة عن طريق الرواتب والمخصصات وأوجه الدعم. وجرى كل هذا في جو من انعدام الشفافية والمحاسبة الشعبية وطغيان الضبابية حول أحجام وأوجه استخدام إيرادات النفط عموماً. وبهذا تم تحويل الغالبية الساحقة من ثروة عامة، من المفترض أن تكون منتجة ومتكاثرة، إلى مخصصات جارية خاصة تنفق بشكل متكرر، وأعطيت الجهة الخاصة التي تحصل عليها حق التصرف فيها كما ترى، وبرأينا فإن هذا هو لب الخلل الإنتاجي المتعلق بكيفية استعمال إيرادات النفط وإنفاقها.
 
كما نرى أن هذا النمط يعتبر خللاً إنتاجيًا ليس فقط لإهداره إيرادات النفط على مصروفات متكررة مجهولة الجدوى، بل المشكلة الاقتصادية الأساسية هي أنها أسست لمبدأ أن النفط ليس بالكامل ثروة عامة، تملكها الدولة ككل، ويجب معاملتها بناء على هذا الأساس وينظر إليها كحق عام لا يستطيع أحد أن ينتفع به لوحده. بل أسس على العكس لمبدأ أن النفط أساساً غنيمة للتقسيم بين جهات مختلفة، كل حسب مكانته الاجتماعية. إذن لكل شخص حق في كعكة النفط، وأصبحت النظرة لغالبية الأفراد في المجتمع تفترض وجود الكعكة، و"أريد نصيبي من الكعكة كما حصل عليها غيري". وكانت هذه الخطيئة الأولى، إذ كان من المفترض معاملة النفط كملك عام، يستثمر كثروة عامة، بهدف استمرارية هذه الثروة العامة وتكاثرها للمصلحة العامة. وبرأينا، فإن أي برنامج إصلاح جدي لاقتصاديات دول مجلس التعاون عليه أن يتطرق بشكل أساسي إلى إصلاح لب هذا الخلل، وذلك بالبدء في تصحيح أوجه الإنفاق في رأس الهرم قبل قاعدته، وإلا ظلت إمكانية الإصلاح الجذري ضعيفة. 


 
 

[1] وعلى الرغم من اكتشاف النفط في البحرين منذ ثلاثينات القرن الماضي، لم تكن إيراداته بتلك الكمية التي جعلت هذه المشكلة تظهر بشكل جلي وفاقع كما كان الحال في الكويت.
[2] تم تحصيل جميع الإحصائيات والبيانات المستعملة في الورقة من الأجهزة الإحصائية الرسمية لدول مجلس التعاون. بالإمكان التواصل مع الكاتب للمزيد حوسل طريقة احتساب هذه الإحصائيات.
[3] بما ان وجهات النظر قد تختلف حول العائد السنوي المفروض تطبيقه، فقد آثرنا تقديم عدة امثلة، ويترك الخيار للقارئ لاختيار العائد الملائم لوجهة نظره.
[4] كما أنها لا تشمل إيرادات أبو ظبي في الأعوام 1962-1966 التي تعذر علينا الحصول عليها.
[5] وقد تكون الكويت هي أكبر مستعمل لهذا النوع من التحويلات، حيث تتواجد علاوات لكل عائلة، وسكن، وعلاوات لكل طالب جامعي، إلخ.
[6] وقد شجع رخص السلعة على الإفراط في الاستهلاك، كما تزايد حجم هذا الدعم بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، ما دعى الحكومات للتركيز على تقليصه حالياً.
[7]ومما يعقد الأمر في الإمارات هو انفراد كل إمارة بميزانيتها الخاصة المحاطة بسرية بالغة، بالإضافة إلى الميزانية الاتحادية، التي عادة ما تكون صغيرة مقارنة بميزانيات الإمارات المنفردة.
[8] لا تفرق احصائيات عمان بين المصروفات الجارية والرأسمالية في القطاع العسكري، حيث لا تقدم الاحصائيات سوى الرقم الإجمالي.
[9]“Saudi Arabia to raise military spending 6 pct –budget,” Reuters, 22 Dec 2016 < http://www.reuters.com/article/saudi-economy-budget-military-idUSL5N1EH3CU >.
[10]Bader Al-Mutairi, 'Kuwait Official Development Assistance: Fifty Years On', unpublished papers, 2013.
[11]British National Archives: FCO 8/1743 Saudi Budget. Letter from the Embassy.
[12]Ahmed Feteha, Tarek El-Tablawy and Zainab Fattah, “Egypt Readies for Tough Reforms as Gulf Seen Tightening Aid,” Bloomberg, 23 August 2016. <www.bloomberg.com/news/articles/2016-08-23/u-a-e-deposits-1-billion-in-egypt-to-shore-up-imf-loan-deal>.
[13]Reuters, “Egypt Returns $2 Billion to Qatar in Sign of Growing Tensions,” VOA News, 19 September 2013 < www.voanews.com/a/egypt-returns-two-billion-dollars-to-qatar-tension/1753280.html >.
[14]عمر الشهابي وآخرون. الخليج بعد الانتفاضات العربية <  http://bit.ly/2orIo3q >.
[15]Pieter D. Wezeman and Siemon T. Wezeman, “Trends in International Arms Transfers, 2014,” SIPRI, March 2015, p. 4 < http://books.sipri.org/files/FS/SIPRIFS1503.pdf >.
[16]Niall Mc Carthey, “Saudi Arabia Has Become the World’s Biggest Arms Importer,” Forbes, 10 March 2015 < http://bit.ly/2p9BqkX >.
[17]هذه البيانات والرسوم المصاحبة لها مأخوذة من:
عمر الشهابي (محرر)، الخليج بين الثابت والمتحول 2013.
[18]Sovereign wealth Fund Rankings (SWFI, 2017) < http://www.swfinstitute.org/sovereign-wealth-fund-rankings/ >.
[19]حمد الجاسر، "الديوان الاميري الكويتي يخفض مصاريفه،" الحياة، 18 يناير 2016 <http://bit.ly/2pc0ZPm>.
[20]قانون ديوان الرقابة المالية (البحرين: وزارة العدل والشؤون الاسلامية والاوقاف، 2002) <http://bit.ly/2p9AXiG>.
[21] إبراهيم شريف على تلفزيون البحرين <https://www.youtube.com/watch?v=ZJR6wC73aO4>.
[22]The Open Budget Index 2015 (International Budget Partnership) < www.internationalbudget.org/wp-content/uploads/OBS2015-OBI-Rankings-English.pdf >.
[23]لمراجعة طريقة حساب الفروقات، الرجاء النظر إلى:
عمر الشهابي (محرر)، الخليج بين الثابت والمتحول 2013.
[24]Al-Kuwari, Ali Khalifa, “Oil Revenue of the Arabian Gulf Emirates: Patterns of Allocation and Impact on Economic Development,” Diss (Durham University), 1974, pp.185 – 188.
[25]ومن المهم التنويه ان الجيوش العسكرية في فترة ما قبل 1970 لم تكن متواجدة او كانت في بدايات تكوينها في هذه الدول، ولذلك فإن المصروفات العسكرية لا تبرز بشكل كبير.