مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

كتاب: هجرة طواويش الكويت وهلال المطيري (1910م) - بدر ناصر الحتيتة

طباعة PDF
طواويش وأمراء: كتابة تاريخ شعبي للحداثة السياسية في الكويت - محمد تركي الربيعو





 
مما يُلاحظ في السنوات الأخيرة على صعيد كتابة التاريخ العربي، بروز تاريخ محلي خليجي مغاير للصورة الباردة والنمطية عن هذا العالم، الذي عادة ما ينظر للبداوة بوصفها تمثل مسودة النظام الاجتماعي للخليج العربي. والأهم من ذلك أنه تاريخ لم يعد يقتصر على جهود الباحثين الغربيين الغنية في هذا السياق، بل أيضاً على جهود باحثين محليين. كما أنه يتميز بتنوع موضوعاته واعتماده على مصادر متنوعة ومداخل جديدة، وربما يمكن أن نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض العناوين الأخيرة التي أصدرتها دار جداول حول تاريخ الأطباء والطب، في عدد من المدن السعودية. مما بات يؤسس لتاريخ جديد، وفق تعبير مؤرخ الحوليات جاك لوغوف، عن المجتمع السعودي، وعن السلطة والحداثة وتاريخ العلم.
 
وفي رأينا، فإن هذا التاريخ المحلي الشيّق والممتع بمواده ومصادره الإثنوغرافية، لا يعكس اهتماماً بالتاريخ الشعبي، الذي عادة ما تسمح به السلطات السياسية، كبديل عن التاريخ السياسي، بل قد يعكس من خلال حفرياته في الذاكرة الاجتماعية عن وجود نشاط فكري ووعي سياسي خليجي مغاير، بات يعبر عن نفسه، من خلال كتابة تاريخ آخر، وهو تاريخ لا بد أن يفرز في لحظة ما رؤية أخرى لواقعه، وربما لمستقبله.



 


بيد أن اللافت، أن هذه الكتابات والنصوص التاريخية المحلية الجديدة في الخليج، لا تحظى باهتمام وتفاعل كبيرين لدى المثقف المشرقي أو العربي بشكل عام، كما حدث في مؤتمر التراث الشفوي الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قبل سنوات من الآن. إذ كان من الملاحظ، من خلال النصوص المشاركة، التي جُمِعت ونُشِرت في ثلاثة أجزاء، غياب الراوي الشفوي الخليجي (مشاركة واحدة من سلطنة عمان) على الرغم من وجود عشرات النصوص والجهود التاريخية الخليجية، التي اعتمدت على الروايات الشفوية، وعلى الشعر النبطي الذي يُعدُّ، وفقاً للأنثربولوجي السعودي سعد الصويان، مصدراً أثنوغرافياً مهماً لفهم العديد من العادات والحوادث التاريخية (رغم تأكيده هنا على ضرورة التعامل معها بحذر، كونها لا تعكس أحياناً كامل الحقيقة، لأن الروايات الشفوية تنزع عادة إلى الانزلاق لاشعورياً من السرد التاريخي نحو السرد الأسطوري، أو السرد البطولي، وفق تعبير الفرنسي فرانسوا هارتوغ)، كمدخل لإعادة قراءة تاريخ المدن الخليجية. مع ذلك، لا تحظى هذه الأعمال المحلية بقراءة كافية، رغم ما قد تتيحه من إمكانية لتكوين صورة أخرى عن هذه المجتمعات، وعن غنى طقوسها ويومياتها وشبكاتها الثقافية والدينية، في هذا السياق، يمكن الإشارة لجهود دور نشر أخرى ساهمت أيضاً في تعريفنا بتاريخ محلي آخر عن بلدان الخليج، في فترة ما قبل النفط، كدار جسور للنشر والتوزيع، من خلال عدد من الإصدارات مثل كتاب «نجد قبل الوهابية» لمؤلفه عويضة الجهني الذي كشف لنا عن تاريخ ديني غني في هذا المكان قبل قدوم الوهابية (خلافاً للصورة التي ترى بأن قدوم عبد الوهاب جاء بمثابة إعادة إحياء للوعي الديني في نجد) كما كشف لنا عن شبكات دينية عديدة، وعن علاقات بين علماء نجد وباقي الشام ومصر. ولعل ما يُثنى عليه في جهود جسور وجداول (التي تبقى الأكثر ريادة في هذا الشأن)، أنها تجاوزت المحلي السعودي، من خلال نشرها تواريخ محلية لبلدان خليجية أخرى. وكمثال عن هذه التواريخ، يمكن الإشارة لكتاب «هجرة طواويش الكويت 1910 وهلال المطيري» للباحث الكويتي بدر ناصر الحتيتة المطيري، إذ يُعرّفُنا المؤلف، في هذا الكتاب، على تاريخ شعبي للحداثة السياسية في الكويت، من خلال العودة بنا إلى حادثة جرت في بدايات القرن العشرين، بين أمير الكويت الشيخ مبارك الصباح وطواويش الكويت (صيادي اللؤلؤ)، وبالأخص زعماء هذه المهنة، التي كانت آنذاك واحدة من أهم المهن التي يعتاش عليها الكويتيون، إذ سيدفع استمرار جور الشيخ الصباح ببعض زعماء هذه المهنة إلى أخذ قرار بالهجرة إلى البحرين قبل أن يضطر حاكم الكويت إلى مصالحتهم وإعادتهم، إلا أن هذه الحادثة لن تكون حادثة عابرة وإنما ستمهّد لتحول جوهري في علاقة الأمير بالشارع الكويتي.

"ما يُثنى عليه في جهود جسور وجداول (التي تبقى الأكثر ريادة في هذا الشأن)، أنها تجاوزت المحلي السعودي، من خلال نشرها تواريخ محلية لبلدان خليجية أخرى."


ما حكاية طواويش الكويت؟
 
لا يخفي المؤلف، ومنذ الصفحات الأولى، مقصده من الكتاب، فالهدف كما يذكر هو كتابة البدايات الأولى لتكوّن مجتمع مدني في الكويت، ورغم محاولة المؤلف الإحاطة بهذه البدايات تاريخياً، من خلال العودة للمصادر وأخبار المعارك (معركة الصريف وهداية) وغيرها من المصادر الشفوية، إلا أن النفس السياسي أو الكتابة التاريخية النضالية والخلاف السياسي الحالي، الذي تعيشه الكويت اليوم، بقي ماثلاً أمامنا في صفحات الكتاب، ولعل ما يدعم هذا التوجه، تخصيصَ المؤلف الفصل الأول للحديث عن مفاهيم المجتمع المدني وعلاقته بالدولة، إذ يرى المطيري، من خلال العودة لتاريخ تكوّن المجتمع المدني في السياق الأوروبي، أن هذه الولادة لم تكن لتحصل لو بقيت هناك عبودية ورق، أو علاقات ملكية واقتصادية مقيّدة بالأغلال، ومُثقلة بالرهونات الإقطاعية، أو أن تتم معاملة الأفراد كملكية خاضعة لسيد أو عائلة من الإقطاعيين، ولا تعكس هذه الكلمات، التي استقاها المؤلف من تراث المجتمع المدني الأوروبي، اهتماماً بتجرية تاريخية بقدر ما تحاول، ربما محاكاة واقع المؤلف، وإرسال رسائل للآخر المحلي (السلطة الكويتية)، وهو أمر لا يخفيه المؤلف، فهو يأتي في هذا الكتاب، وعبر العودة للذاكرة التاريخية المحلية، ليقول إن هناك تاريخاً أصيلاً للمجتمع المدني في الكويت، وأن إعادة إحيائه قد يكون مدخلاً أساسياً لدعم مطالب قوى المجتمع المدني الكويتي اليوم، لكن هذا التحيز السياسي لم يمنع المؤلف من اصطحابنا في رحلة ممتعة وغنية في ذاكرة الكويت والمجتمع والسلطة والاقتصاد في هذا البلد قبل النفط.
 
وبالعودة إلى تجربة طواويش الكويت، يذكر المؤلف أن الطواويش هي صيغة جمع ومفردها طواش، وقد تكون مشتقة من الطاش، وهو اسم يطلقه أهل البادية على البحر، أو تكون من فعل طشّ أي انتشر، والطواشون ينتشرون في عرض البحر بحثاً عن أصحاب سفن الغوص، وقد نميل إلى التعريف الثاني، إذ نعثر في التراث السوري المحلي على المعنى ذاته تقريباً، من خلال استخدام عبارة (فلان طش الكاع/الأرض) بمعنى (نشر البذار)، بالأخص في مناطق الريف الشرقي السوري. وفي حالة طواويش الكويت (تجار اللؤلؤ)، فقد اعتُبِر هؤلاء الرجال آنذاك محركي الاقتصاد المحلي. فقد كان يعمل في الغوص حوالي نصف سكان الكويت، كما يشير التقرير السنوي لعام 1905 الصادر عن الوكالة السياسية البريطانية في الكويت، وكانت عوائد الغوص المالية تشكّل ثلث حجم الناتج القومي، ويعتاش منه البحّارة وملّاك السفن وصنّاعها، ويوفر فرصاً للعمل والكسب لسكان البادية، وتستفيد منه الحكومة (الحاكم) عبر الرسوم التي تجنيها على سفن الغوص، نظراً لحصولها على نصيب أو سهم غواص من كل سفينة تحصل على لؤلؤ (قلاطة الشيوخ).

وفي مطلع القرن العشرين، كانت الكويت تمرّ بتغيرات سياسية محلية وإقليمية، جاءت بداياتها مع تسلم الأمير مبارك الصباح (1896/1915) زمام القيادة، وعلى الصعيد الإقليمي كانت محطّ أنظار وقوى متنافسة دولية من العثمانيين والبريطانيين والألمان وغيرهم. كما كانت تعيش خلافات مع قوى محلية أهمها إمارة حائل بقيادة الأمير عبد العزيز المتعب الرشيد. وقد مثّل التنافس معها الشغل الأمني الشاغل للكويت، وبلغ ذروته مع اندلاع معركة الصريف في السابع عشر من مارس/آذار 1901 بالقرب من مدينة بريدة في منطقة القصيم، وقد انتهت المعركة يومها بهزيمة قوات الشيخ الصباح، مع ذلك استمر الصراع حتى عام 1906 حينما قُتِل أمير حائل على يد القبائل المتخالفة مع عبد العزيز بن سعود حسب الرواية الشفهية.

لن يستمر الهدوء طويلاً، فبعد ذلك بأربع سنوات، ستمنى قوات الشيخ مبارك وحليفه ابن سعود بهزيمة مخجلة في معركة «الهدية» 1910 على يد جيش المنتفق بقيادة سعدون السعدون، ما دفع الشيخ مبارك الصباح إلى التصميم على إعداد العدة من جديد لمواجهة هذه القوات، إلا أن هذا الإعداد كان يعني ضرورة توفير سلاح ورجال، ما دعا الشيخ الصباح إلى إعلان التعبئة العامة، وفرض التجنيد الإلزامي بالقوة على الرجال في المدينة. في هذه الأثناء كان طواويش الكويت يتحضّرون لموسم الغوص السنوي، الذي تبدأ تحضيراته في أول شهر إبريل/نيسان، لكن أمير الكويت قرّر منعهم من الغوص، كما أُجبِروا على الالتحاق بالجيش. وفي مسعى من الطواويش لحثّ الشيخ مبارك الصباح على إعادة النظر في قراره بمنع الغوص، لما له من تأثيرات كارثية على الاقتصاد المحلي الكويتي، قرر ثمانية من أبرزهم مقابلته (وكان أهمهم هلال المطيري وشملان بن علي الرومي) غير أن الشيخ مبارك، كما يذكر المؤرخ عبد العزيز الرشيد في روايته التي كتبها سنة 1926، بقي مصراً على موقفه، لكن بعض هؤلاء الزعماء رفض الامتثال لقراره، وكان أكثرهم عناداً، كما يذكر الرشيد، هو هلال المطيري، ما دفع الشيخ مبارك إلى دعوته إلى مجلسه ليعلمه بأنه «ينبغي لمثله أن لا يرفع أنفه أو يتظاهر بالعظمة والكبرياء.. وأنت واحد من أجلاف مطير وأحد أسافلهم.. فيجدر بك أن تزور بجانبك عن الطاعة والخضوع».

"ستمنى قوات الشيخ مبارك وحليفه ابن سعود بهزيمة مخجلة في معركة «الهدية» 1910 على يد جيش المنتفق بقيادة سعدون السعدون، ما دفع الشيخ مبارك الصباح إلى التصميم على إعداد العدة من جديد لمواجهة هذه القوات"


بعد هذه الواقعة، سيقرر هلال المطيري، التاجر الكبير، الذي كان يُعدُّ واحداً من أغنى تجار الجزيرة العربية آنذاك، بالاتفاق مع عدد من تجار اللؤلؤ، هجرة الكويت باتجاه البحرين، كما تواصلوا مع السلطات البريطانية لاستطلاع إمكانية الاستفادة من حمايتها لتجنب ظلم الشيخ مبارك. لم تعنِ هجرةُ الطواويش هجرةَ بضعة رجال فحسب، وإنما هجرةَ الثروة الموجودة في الكويت، بالإضافة إلى هجرةِ قرابة 6000 إلى 8000 رجل، مما عنى ضرراً كبيراً بالاقتصاد المحلي الكويتي وبميناء البلاد. كما أن هلال المطيري لم يكن شخصاً عادياً وإنما كان يتمتع بوزن اجتماعي كبير. وقد دفعت كل هذه العوامل بالشيخ مبارك إلى إرسال أحد أولاده لمصالحة تجار اللؤلؤ، بيد أن هلال المطيري رفض ذلك، مما دفع الشيخ مبارك إلى زيارة البحرين خصيصاً لمصالحته، وتقديم كل الضمانات لعودته. وقد مثّل اضطرارُ أمير الكويت إلى مصالحة أحد تجّار البلاد، بدل الإصرار على موقفه، حدثاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً. ويرى المؤلف، أن هذه الحادثة ساهمت بشكل فاعل في إعادة تشكيل الحياة العامة للمجتمع الكويتي، لاسيما على صعيد العلاقة بين الشيخ الحاكم والشعب. وكان أكبر أثر تركته الحادثة، انخفاض منسوب الخوف والرهبة في نفوس الناس عموماً وأعيان البلد ونخبها، وقد حصل أول اختراق من خلال إعادة الشيخ مبارك النظر في سياساته لفرض الضرائب عبر تقليلها، كما تجسّدت في العمل الجماعي المشترك لإنشاء المدرسة المباركية، الذي تلا حادثة الطواويش. فقد أسفر الحراكُ والمخاضُ الاجتماعي المنظّم والجماعي عن ظهور المدرسة المباركية، ما شكّل خبرة اجتماعية نوعية جديدة لدى المجتمع، بحيث ينطبق عليه، وفقا للمؤلف، التعريف الفني للمجتمع المدني. فالمجتمع المدني هو: «ميدان الفعل الجماعي بغير إكراه، الذي يستند ويسعى إلى تحقيق مصالح أو أهداف أو قيم مشتركة». فمبادرة المجتمع (تبرع الطواويش بمبالغ كبيرة) والمحسنين ورجال الدين في بناء المدرسة، بدون انتظار إذن ودعم الحاكم (يذكر المؤرخ عبد العزيز الرشيد أن المدرسة التي سُمِّيت باسم الشيخ مبارك الصباح ليس له في تشييدها يد ولا في نفقتها درهم واحد) يمثّل خبرة وتنظيماً مدنياً واجتماعياً جديدين في الكويت آنذاك.

قد يرفض كثيرون قراءةَ المؤلف، أو قد يعتبرونها تأويلاً أو تضخيماً لحادثة تاريخية وبناء تاريخ أسطوري (وهو ما يظهر أحياناً من خلال ميل المؤلف وتبنيه للسوالف البطولية حول هلال المطيري، بدون أي محاولة لفض الاشتباك بين التاريخي والأسطوري في هذه السوالف كما ينصحنا بذلك سعد الصويان، وأيضا على صعيد قراءته لتاريخ الكويت، الذي أظهره أحياناً وكأنه تاريخ منعزل عن محيطه العثماني بالأخص)، أو عبر القول إنها تأتي كمحاولة لقراءة التاريخ لغايات سياسية، مع ذلك يمكن القول إن المطيري نجح في تسليط الضوء على جزء من تراث وذاكرة الكويت وأهلها (عبر تعريفنا بحكايا طواويش البلاد وكبيرهم) كما نجح في إيصال رسالته من الكتاب، وكتابة تاريخ آخر لمقاومة السلطة، عبر بروز مجتمع مدني في الكويت، فسياسات المقاومة أو سياسات الإصلاح (ربما نميل أكثر لكلمة إصلاح كونها أكثر قرباً لتراثنا)، كما يراها المؤرخ البريطاني تشارلز تريب، في كتابه الشيّق «السلطة والشعب.. مسارات المقاومة في الشرق الأوسط»، لا تقتصر وحسب على المقاومة الجسدية أو الحزبية للسلطة، و»إنما تتغلغل أيضاً عبر تخيّل سردية أخرى لعلاقة السلطة بالمجتمع»، لا تعلن عن نفسها بأسلوب نخبوي من خلال الحديث عن أدبيات المجتمع المدني بأسلوب نظري جاف، أو من خلال رواية تجارب أخرى كما يفعل عدد من نخبنا الثقافية، بل عبر استدعائها لشخصية تاريخية محلية لتشكّل جزءاً من قصص الحياة اليومية، ولتؤسس بذلك ذاكرة لحراك مدني حديث في الكويت، يبدأ بهجرة الطواويش ليكمل مشواره مع مؤلفنا وجيله ومع الأجيال القادمة.

__________

المصدر: القدس العربي



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها